وهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ أبو هريرة، وعائشة أمُّ المؤمنين، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن عَبَسة.
الوجه الثاني عشر: أن الروح تُوصف بالوفاة١ والقبض والإمساك والإرسال٢، وهذا شأنُ المخلوق المحدَث٣ المربوب. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الزمر: ٤٢]. والأنفس هاهنا هي الأرواح قطعًا.
وفي «الصحيحين»٤ من حديث عبد الله بن أبي قتادة الأنصاريِّ عن أبيه قال: سَرَينا٥ مع رسول الله ﷺ في سفرٍ ذاتَ ليلة، فقلنا: يا رسولَ الله، لو عرَّستَ بنا، فقال: «إني أخاف أن تناموا، فمن يوقظنا للصلاة٦؟». فقال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فعرَّس بالقوم، فاضطجعوا. واستندَ بلال٧ إلى راحلته، فغلبَتْه عيناه. فاستيقظ رسولُ الله ﷺ وقد طلع حاجبُ الشمس٨،
(١) (ط): «بالحياة».
(٢) (ط): «الإرسال والإمساك».
(٣) «المحدث» ساقط من (ن).
(٤) البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١).
(٥) (ط، ن): «سِرْنا».
(٦) (ب، ج): «للغداة».
(٧) (ب، ج، ن): «وأسند بلالٌ ظهره».
(٨) (ب، ط، ج، ن): «جانب الشمس».
فقال: «يا بلالُ، أين ما قلتَ لنا؟» فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُلقِيتْ عليَّ نَوْمةٌ مثلها! فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله قبَضَ أرواحَكم حين شاء، وردَّها حين شاء».
فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفَّاها الله حين موتها وفي منامها، وهي التي يتوفَّاها ملكُ الموت١، وهي التي تتوفاها رسُلُ الله سبحانه. وهي التي يجلسُ الملَك عند رأس صاحبها، ويُخرجها٢ من بدنه كرهًا، ويكفِّنها٣ بكفن من الجنة أو النار، ويصعَد بها إلى السماء، فتصلِّي عليها الملائكة أو تلعنها، وتُوقَف بين يدي ربها، فيقضي فيها أمَره. ثم تُعاد إلى الأرض فتدخل بين الميت وأكفانه، فتُسأل وتُمتحَن وتُعاقَب وتُنعَّم. وهي التي تُجعَل في أجواف الطير الخُضْر تأكل وتشرب من الجنة. وهي التي تُعرَض على النار غُدوًّا وعَشِيًّا٤.
وهي التي٥ تؤمن وتكفر، وتطيع وتعصي. وهي الأمَّارة بالسوء، وهي اللوَّامة، وهي المطمئنة إلى ربِّها وأمرِه وذكرِه. وهي التي تعذَّب وتنعَّم٦، وتسعَد وتشقى، وتُحبَس وتُرسَل، وتصِحُّ وتسقَمُ، وتلذُّ وتألمُ، وتخاف وتحزن.
(١) «وهي ... الموت» ساقط من (ن).
(٢) (ن): «ليخرجها».
(٣) (ب، ج): «يلفّها».
(٤) الأحاديث الشواهد على الأمور المذكورة قد تقدمت في المسألة السادسة.