فقال: «يا بلالُ، أين ما قلتَ لنا؟» فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُلقِيتْ عليَّ نَوْمةٌ مثلها! فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله قبَضَ أرواحَكم حين شاء، وردَّها حين شاء».
فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفَّاها الله حين موتها وفي منامها، وهي التي يتوفَّاها ملكُ الموت١، وهي التي تتوفاها رسُلُ الله سبحانه. وهي التي يجلسُ الملَك عند رأس صاحبها، ويُخرجها٢ من بدنه كرهًا، ويكفِّنها٣ بكفن من الجنة أو النار، ويصعَد بها إلى السماء، فتصلِّي عليها الملائكة أو تلعنها، وتُوقَف بين يدي ربها، فيقضي فيها أمَره. ثم تُعاد إلى الأرض فتدخل بين الميت وأكفانه، فتُسأل وتُمتحَن وتُعاقَب وتُنعَّم. وهي التي تُجعَل في أجواف الطير الخُضْر تأكل وتشرب من الجنة. وهي التي تُعرَض على النار غُدوًّا وعَشِيًّا٤.
وهي التي٥ تؤمن وتكفر، وتطيع وتعصي. وهي الأمَّارة بالسوء، وهي اللوَّامة، وهي المطمئنة إلى ربِّها وأمرِه وذكرِه. وهي التي تعذَّب وتنعَّم٦، وتسعَد وتشقى، وتُحبَس وتُرسَل، وتصِحُّ وتسقَمُ، وتلذُّ وتألمُ، وتخاف وتحزن.
(١) «وهي ... الموت» ساقط من (ن).
(٢) (ن): «ليخرجها».
(٣) (ب، ج): «يلفّها».
(٤) الأحاديث الشواهد على الأمور المذكورة قد تقدمت في المسألة السادسة.
(٥) «التي» ساقط من (ب، ج).
(٦) (ط): «تنعم وتعذب».
وما ذاك إلّا سِماتُ مخلوق مُبدَع، وصِفات مُنْشَأ مُخْترَع، وأحكام مربوب مدبَّر مصرَّف تحت مشيئة خالقه وفاطره وبارئه.
وكان رسول الله ﷺ يقول عند نومه: «اللهم أنت خلقتَ نفسي وأنت تَوَفَّاها١. لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتَها فارحَمْها، وإن أرسلتَها فاحفَظْها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين»٢.
وهو تعالى بارئ النفوس كما هو بارئُ الأجساد. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[الحديد: ٢٢]. قيل: من قبل أن نبرأ٣ المصيبة. وقيل: من قبل أن نبرأ الأرض. وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وهو أولى؛ لأنه أقرب مذكور إلى الضمير. ولو قيل: يرجع إلى الثلاثة أي: من قبل أن نبرأ المصيبة والأرض والأنفس لكان أوجَه٤.
(١) (ط): «تتوفاها».
(٢) كذا في جميع النسخ. وهذا اللفظ مركب من حديثين: حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم (٢٧١٢) وفيه بعد «محياها»: «إن أحييتها فاحفظها وإن أمَتَّها فاغفر لها. اللهم إني أسألك العافية». وحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٦٣٢٠، ٧٣٩٣) ومسلم (٢٧١٤) وأوله: «باسمك ربِّي وضعتُ جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها ...».
(٣) في (ق، غ) هنا وفي المواضع الآتية: «يبرأ». وفي (ب): «نبرأها: المصيبة» وكذلك فيما بعد.
(٤) انظر المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٨) وقد نقل عن المهدوي جواز عود الضمير على جميع ما ذكر.