وهذا بناء على١ أنَّ المراد بالروح في الآية روح الإنسان. وفي ذلك خلافٌ بين السلف والخلف، وأكثرُ السلف بل كلُّهم على أنَّ الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواحَ بني آدم. بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة٢. وهو ملَك عظيم.
وقد ثبت في الصحيح٣ من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله ﷺ في حَرْثِ٤ المدينة، وهو متكئ على عَسيب، فمررنا على نفرٍ من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه، عسى أن يجيء٥ فيه بشيء تكرهونه. وقال بعضهم: نسأله، فقام رجلٌ، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكتَ عنه٦ رسول الله ﷺ، فعلمتُ أنه يُوحى إليه، فقمتُ، فلما تجلَّى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: ٨٥].
ومعلومٌ أنهم إنما سألوه٧ عن أمر لا يُعرف إلا بالوحي، وذلك هو
(١) في (ق): «وهذا بيان أن» سقط وتحريف.
(٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة النبأ (٣٨): ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٥، ٤٧٢١، ٧٢٩٧) ومسلم (٢٧٩٤).
(٤) في (ق، ط): «خِرَب». وكذا في كتاب العلم من صحيح البخاري (١٢٥). وكذا ضبط بكسر أوله وفتح ثانيه في (ط)، ويجوز بالعكس. وفي المواضع الأخرى من الصحيح ما أثبتنا من الأصل وغيره.
(٥) ما عدا (أ، غ): «يخبر». وفي (ن) بعده «عنه» موضع «فيه».
(٦) «عنه» ساقط من (ط).
(٧) (ق): «يسألوه». (ن): «يسألونه». وفي (ب، ج) تحرّف «إنما» إلى «لا».
الروحُ التي١ عند الله، لا يعلمها الناس. وأما أرواحُ بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلَّم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة.
فإن قيل: فقد قال أبو الشيخ: حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم٢ بن الحكم عن أبيه عن السُّدِّي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: بعثت قريش عُقبةَ بن أبي مُعَيط وعبدَ الله بن أبي أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبيِّ ﷺ٣، فقالوا لهم: إنه قد خرج فينا رجلٌ يزعُم أنه نبيٌّ، وليس على ديننا ولا على دينكم. قالوا: فمن تبِعه٤؟ قالوا: سَفِلَتُنا والضعفاء والعَبيد ومن لا خيرَ فيه، وأما أشراف قومه فلم يتَّبعوه. فقالوا: إنه قد [٩٧ ب] أظلَّ زمانُ نبيٍّ يخرج، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل، فَأْتوه، فاسألوه عن ثلاث خِصال نأمركم٥ بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبيٌّ صادق، وإن لم يخبِرْكم بهن فهو كذابٌ: سَلُوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم. فإن قال لكم: هي من الله، فقولوا له: كيف يُعذِّب الله في النار شيئًا هو منه؟ فسأل جبريلَ عنها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[الإسراء: ٨٥]. يقول: هو خلقٌ
(١) (أ، غ): «الذي».
(٢) «أخبرنا إبراهيم» ساقط من (أ، ب، غ).
(٣) بعده في (ب، ج): «فأتوهم».
(٤) (ب، ج): «معه».
(٥) في جميع النسخ: «يأمركم»، وفي حاشية (ط): «لعله: يخبركم». والصواب ما أثبتنا.