قيل: مثلُ هذا الإسناد لا يُحتجُّ به، فإنه من تفسير السُّدِّي عن أبي مالك، وفيه أشياء منكرة، وسياقُ هذه القصة في السؤال من الصحاح والمساند٣ كلِّها يخالف سياقَ السُّدي.
وقد رواها الأعمش والمغيرة بن مِقْسَم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: مرَّ النبي ﷺ على ملأ من اليهود، وأنا أمشي معه، فسألوه عن الروح. قال: فسكتَ، فظننتُ أنه يُوحَى إليه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يعني اليهود ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾٤ ــ وكذلك هي في قراءة عبد الله٥ ــ فقالوا: كذلك نجدُ مثلَه في التوراة أنَّ الروحَ من أمر الله ﷿. رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة٦.
(١) كذا في الأصل و(غ). وفي (ق، ط، ن): «من الله». وفي (ب، ج): «شيء من الله».
(٢) إسناده تالف. آفته إبراهيم بن الحكم هو ابن ظُهير الكوفي، شيعي جلد، كذبه أبو حاتم الرازي. (الجرح والتعديل ٢/ ٩٤ ــ ٩٥، ولسان الميزان ١/ ٤٩). وكذا أبوه الحكم بن ظهير، قال الحافظ: «متروك رُمي بالرفض، واتهمه ابن معين». والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الكوفي فيه ضعف، وشيخه أبو مالك اسمه غزوان الغفاري ثقة من رجال التهذيب. (قالمي)
(٣) (ق، ط): «المسانيد».
(٤) وردت الآية في جميع النسخ على القراءة المشهورة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ ولكن السياق يقتضي ما أثبتنا من بعض طرق الحديث في الصحيحين، وقد نبَّه عليه بعضهم في طرّة الأصل.
(٥) (ط): «قوله عند الله»، تحريف.
(٦) أخرجه البخاري (١٢٥) ومسلم (٢٧٩٤) من طريق الأعمش. وليس فيه: «فقالوا: كذلك نجد ...» إلخ.
وروى يحيى بن زكريا بن١ أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتَتِ اليهود إلى النبيِّ ﷺ، فسألوه عن الروح، فلم يُجبهم النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﷿﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: ٨٥].
فهذا يدلُّ على ضَعف حديث السُّدِّي وأنَّ السؤال كان بمكة، فإنَّ هذا الحديثَ وحديثَ ابن مسعود صريحٌ أن السؤال كان بالمدينة مباشرةً٢ من اليهود. ولو كان قد تقدَّم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي ﷺ، ولبادَرَ إلى جوابهم بما تقدَّم من إعلامِ [٩٨ أ] الله له وما أنزل عليه.
وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظمَ اضطراب. فإما أن تكونَ من قِبَل الرُّواة٣، أو تكون أقوالُه قد اضطربَت فيها. ونحن نذكر ذلك. فقد ذكرنا روايةَ السدِّي عن أبي مالك عنه، وروايةُ داود بن أبي هند عن عكرمة عنه تُخالفها. وفي رواية داودَ بن أبي هند هذه اضطراب. فقال مسروق بن المرزُبان وإبراهيمُ بن أبي طالب عن يحيى بن زكريا عنه: إنَّ اليهود أتَتِ النبيَّ ﷺ٤.
وقال محمد بن نصر المروزي: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا
(١) (ب): «عن»، خطأ.
(٢) (ن): «بمباشرة».
(٣) (أ، غ): «الرواية».
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ من رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. وسيأتي أن مسروق بن المرزبان رواه عنه بلفظ: «قالت قريش لليهود ...» موافقًا لرواية الجماعة. (قالمي)