وروى يحيى بن زكريا بن١ أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتَتِ اليهود إلى النبيِّ ﷺ، فسألوه عن الروح، فلم يُجبهم النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﷿﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: ٨٥].
فهذا يدلُّ على ضَعف حديث السُّدِّي وأنَّ السؤال كان بمكة، فإنَّ هذا الحديثَ وحديثَ ابن مسعود صريحٌ أن السؤال كان بالمدينة مباشرةً٢ من اليهود. ولو كان قد تقدَّم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي ﷺ، ولبادَرَ إلى جوابهم بما تقدَّم من إعلامِ [٩٨ أ] الله له وما أنزل عليه.
وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظمَ اضطراب. فإما أن تكونَ من قِبَل الرُّواة٣، أو تكون أقوالُه قد اضطربَت فيها. ونحن نذكر ذلك. فقد ذكرنا روايةَ السدِّي عن أبي مالك عنه، وروايةُ داود بن أبي هند عن عكرمة عنه تُخالفها. وفي رواية داودَ بن أبي هند هذه اضطراب. فقال مسروق بن المرزُبان وإبراهيمُ بن أبي طالب عن يحيى بن زكريا عنه: إنَّ اليهود أتَتِ النبيَّ ﷺ٤.
وقال محمد بن نصر المروزي: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا
(١) (ب): «عن»، خطأ.
(٢) (ن): «بمباشرة».
(٣) (أ، غ): «الرواية».
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ من رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. وسيأتي أن مسروق بن المرزبان رواه عنه بلفظ: «قالت قريش لليهود ...» موافقًا لرواية الجماعة. (قالمي)
يحيى بن زكريَّا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجلَ. فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية [الإسراء]١.
وهذا يُخالف الروايةَ٢ الأخرى عنه وحديثَ ابن مسعود.
وعن ابن عباس رواية ثالثة. قال هُشَيم٣: ثنا أبو بشر، عن مجاهد، عن
(١) أخرجه الترمذي (٣١٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣١٤)، والإمام أحمد (٢٣٠٩) من طريق قتيبة بن سعيد. وأبو يعلى (٢٥٠١). وعنه ابن حبان (٩٩)، وأبو الشيخ في العَظَمة (٤٠٣) من طريق مسروق بن المرزبان. والحاكم (٢/ ٥٣١) وعنه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٦٩) من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري ثلاثتهم عن يحيى بن زكريا، به. بمثله. وإسناده صحيح، وصحَّحه الترمذي والحاكم. وأما قول المصنف ﵀ بأن هذه الرواية تخالف الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيمكن ترجيح رواية الجماعة عن يحيى بن زكريا وهي أن السؤال وقع من قريش في مكة. كما يمكن الجمع بين حديث ابن عباس هذا وبين حديث ابن مسعود الذي دلّ على أن السؤال وقع بالمدينة من اليهود، وذلك بحملهما على تعدد النزول، وهذا المسلك له نظائر كثيرة في أسباب النزول، وهو أولى من تضعيف الروايات وتوهيم الثقات إذا سلم من التعسف والتكلف. وكأن الحافظ ابن حجر يميل إلى هذا المسلك حيث قال: «ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح». فتح الباري (٨/ ٤٠١). (قالمي)