الخامس: المسيح ابن مريم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ١ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾[النساء: ١٧١].
وأما أرواحُ بني آدم، فلم يقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس. قال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾[الفجر: ٢٧]. وقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾[القيامة: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾[يوسف: ٥٣]. وقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾[الأنعام: ٩٣]. وقال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾[الشمس: ٧، ٨]. وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[آل عمران: ١٨٥]. وأما في السُّنَّة٢ فجاءت بلفظ النفس والروح.
والمقصود أنَّ كونها من أمر الله لا يدلُّ على قِدَمها وأنها غير مخلوقة.
فصل
وأما استدلالُهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجر: ٢٩، ص: ٧٢]، فينبغي أن يُعلمَ أنَّ المضاف إلى الله سبحانه نوعان:
صفاتٌ لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر. فهذه إضافةُ صفةٍ إلى الموصوف بها. فعلمُه وكلامُه وإرادتُه وقدرتُه وحياتُه صفاتٌ له غير مخلوقة. وكذلك وجهه ويده سبحانه.
(١) «قال ... مريم» ساقط من (ق).
(٢) (ن، غ): «وأما السُّنَّة». وقد ضرب بعضهم على «في» ووضع على «السُّنَّة» ضمَّةً في الأصل.
والثاني: إضافةُ أعيانٍ منفصلةٍ عنه، كالبيت والناقة والعبد١ والرسول والروح. فهذه إضافة مخلوقٍ إلى خالقه ومصنوعٍ إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميَّز به المضاف إليه٢ عن غيره، كـ «بيت الله»، وإن كانت البيوتُ كلها مِلْكًا له. وكذلك «ناقة الله»، والنوقُ كلُّها مِلْكه وخَلْقه. لكن هذه إضافةٌ إلى إلهيته تقتضي محبتَه لها وتكريمه وتشريفَه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيّته حيث تقتضي٣ خلقَه وإيجاده.
فالإضافةُ العامَّةُ تقتضي الخلق٤ والإيجاد، والخاصَّةُ تقتضي الاختيار. والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه، كما قال [٩٩ ب] تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾٥[القصص: ٦٨]. وإضافةُ الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة، لا من العامة، ولا من باب إضافة الصِّفات. فتأمَّل هذا الموضع، فإنه يخلِّصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس٦.
(١) «والعبد» ساقط من (ن).
(٢) يعني: المضاف إلى الله. ولما فهم الناشرون أن «المضاف إليه» هو الله، والمقصود هنا: المضاف، حذفوا «إليه»، مع اتفاق النسخ على إثباته. وهو صواب محض.
(٣) (ط): «حسب مقتضى»، تصحيف.
(٤) «الخلق و» ساقط من (ق).
(٥) «مما خلقه ... يختار» ساقط من (ب، ج).
(٦) وقال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح: «ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم». انظر كلامًا مفصَّلًا له على المضافات إلى الله في الكتاب المذكور (٢/ ١٥٥ ــ ١٦١) ودرء التعارض (٧/ ٢٦٣ ــ ٢٦٦). وانظر: التبيان في أيمان القرآن (٢٦٧) وهداية الحيارى (٣٦٠) للمصنف.