والثاني: إضافةُ أعيانٍ منفصلةٍ عنه، كالبيت والناقة والعبد١ والرسول والروح. فهذه إضافة مخلوقٍ إلى خالقه ومصنوعٍ إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميَّز به المضاف إليه٢ عن غيره، كـ «بيت الله»، وإن كانت البيوتُ كلها مِلْكًا له. وكذلك «ناقة الله»، والنوقُ كلُّها مِلْكه وخَلْقه. لكن هذه إضافةٌ إلى إلهيته تقتضي محبتَه لها وتكريمه وتشريفَه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيّته حيث تقتضي٣ خلقَه وإيجاده.
فالإضافةُ العامَّةُ تقتضي الخلق٤ والإيجاد، والخاصَّةُ تقتضي الاختيار. والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه، كما قال [٩٩ ب] تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾٥[القصص: ٦٨]. وإضافةُ الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة، لا من العامة، ولا من باب إضافة الصِّفات. فتأمَّل هذا الموضع، فإنه يخلِّصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس٦.
(١) «والعبد» ساقط من (ن).
(٢) يعني: المضاف إلى الله. ولما فهم الناشرون أن «المضاف إليه» هو الله، والمقصود هنا: المضاف، حذفوا «إليه»، مع اتفاق النسخ على إثباته. وهو صواب محض.
(٣) (ط): «حسب مقتضى»، تصحيف.
(٤) «الخلق و» ساقط من (ق).
(٥) «مما خلقه ... يختار» ساقط من (ب، ج).
(٦) وقال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح: «ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم». انظر كلامًا مفصَّلًا له على المضافات إلى الله في الكتاب المذكور (٢/ ١٥٥ ــ ١٦١) ودرء التعارض (٧/ ٢٦٣ ــ ٢٦٦). وانظر: التبيان في أيمان القرآن (٢٦٧) وهداية الحيارى (٣٦٠) للمصنف.
فإن قيل: فما تقولون١ في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ﴾[الحجر: ٢٩]، فأضاف النَّفخ إلى نفسه؟ وهذا يقتضي المباشرةَ منه تعالى كما في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: ٧٥]. ولهذا قرَنَ٢ بينهما في الذكر في الحديث الصحيح في قوله ﷺ: «فيأتون آدمَ، فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقَكَ الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجَدَ لك ملائكتَه، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيء»٣، فذكروا لآدم أربعَ خصائص٤ اختصَّ بها عن غيره، ولو كانت الروح التي فيه إنما هي من نفخة الملك لم يكن له خَصيصةٌ٥ بذلك، وكان بمنزلة المسيح، بل وسائر أولاده، فإنَّ الروح حصلتْ فيهم من نفخة الملك. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾[الحجر: ٢٩] فهو الذي سوَّاه بيده، وهو الذي نفخ فيه من روحه؟
قيل: هذا الموضع هو الذي أوجَبَ لهذه الطائفة أن قالت بِقدَم الروح، وتوقَّف فيها آخرون، ولم يفهموا مرادَ القرآن. فأما الروح المضافة إلى الربِّ، فهي روحٌ مخلوقة أضافها إلى نفسه إضافةَ تخصيص وتشريف، كما بيَّناه. وأما النفخ فقد قال تعالى في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
(١) (ط): «تقول».
(٢) ما عدا الأصل و(غ) وطرّة (ط): «فرق»، تصحيف.
(٣) وهو حديث الشفاعة. أخرجه البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة.