وهي: هل٢ تقدَّم خلقُ الأرواح على الأجساد أو تأخَّر خلقُها عنها؟
فهذه المسألة، للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخُ الإسلام٣ وغيره. وممن ذهب إلى تقدُّم خَلْقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعًا٤.
ونحن نذكر حججَ الفريقين، وما هو الأولى منها بالصواب.
قال مَن ذهبَ إلى تقدمُّ خلقها على خَلْق البدن: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾[الأعراف: ١١]. قالوا: «ثُمَّ» للترتيب والمُهلة٥، فقد تضمَّنت الآية أنَّ خَلْقَنا٦ مقدَّمٌ على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم. ومن المعلوم قطعًا أنَّ أبدانَنا حادثةٌ بعد ذلك، فعُلِم أنها الأرواح.
(١) (ن): «التاسعة عشر» ولم يرد فيها «فصل وأما». والمثبت من (ط). وفي غيرها: «الثامنة عشر».
(٢) «هل» ساقطة من (ق، ط، ج). وفي (ب): أضافها بعض القراء.
(٦) كذا في (ب، ط، ق، ج). وكذا كان في الأصل فغيَّره بعضهم إلى «خلقها» كما في (ن، غ) والنسخ المطبوعة. ويؤيد المثبت ما يأتي في (ص ٤٩٩).
قالوا: ويدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾١[الأعراف: ١٧٢]. قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة.
ففي «الموطأ»٢:
حدثنا مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجُهني، أنَّ عمر بن الخطاب سُئل [١٠١ أ] عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
(١) كذا وردت الآية في جميع النسخ. ﴿ذرياتهم﴾ وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر من السبعة. وقرأ الباقون بالإفراد: ﴿ذريتهم﴾. الإقناع (٦٥١). وقد سبق التنبيه على أن قراءة أبي عمرو كانت هي السائدة في بلاد الشام في زمن المؤلف.
(٢) برقم (١٥٩٣). ومن طريقه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٠)، والإمام أحمد (٣١١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩٦)، وأبو بكر الفريابي في كتاب القدر (٢٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٨٦)، وابن حبان (٦١٦٦)، والحاكم (١/ ٢٧) وغيرهم. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا» وكذا قال الطحاوي. ونقل ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٣) كلام الترمذي ثم قال: «وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة. زاد أبو حاتم: وبينهما نُعَيم بن ربيعة». وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٧٨٦، ٧٨٧). وهو قول أبي عمر بن عبد البر كما سيأتي بيانه عند المصنِّف؛ ولذلك لما صحّحه الحاكم على شرط الشيخين تعقبه الذهبي بقوله: «فيه إرسال». قلت: وجهالة أيضًا؛ فإن مسلم بن يسار هذا ليس من رجال الصحيحين وهو غير معروف كما قاله ابن عبد البر ونقله عن ابن معين. (قالمي).