الأيسر، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهده على الإيمان به، والمعرفةِ له ولأمره، والتصديق له وبأمره من بني آدم كلِّهم، وأشهدهم على أنفسهم. فآمنوا، وصدَّقوا، وعَرَفوا، وأقرُّوا١.
وذكر محمد بن نصر٢ من تفسير السُّدِّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. لما أخرَجَ الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسَحَ صَفْحة ظهر [١٠٣ أ] آدم اليمنى، فأخرج منه ذرِّيةً بيضاءَ مثلَ اللؤلؤ وكهيئة الذرِّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرِّيةً سوداءَ كهيئة الذرِّ٣، فقال لهم٤: ادخلوا النار، ولا أبالي. فذلك حيث٥ يقول: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾[الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾[الواقعة: ٤١].
ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقِيَّة. فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا
فليس أحدٌ من ولد آدم إلا وهو يعرف أنَّ ربَّه الله٢، ولا مشرك٣ إلا وهو يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمَّة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾[آل عمران: ٨٣]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الأنعام: ١٤٩]. قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق٤.
قال إسحاق: وأخبرنا رَوْح بن عُبادة، ثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي٥ قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: أقرُّوا له بالإيمان والمعرفة، الأرواح قبل أن يخلق أجسادها٦.
قال: وثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء في هذه الآية،
(١) في (ب، ط، ج، غ): «أن يقولوا»، و«أو يقولوا» بالياء، وهي قراءة أبي عمرو. وفي (ن) بالتاء على قراءة الباقين من السبعة. ولم ينقط حرف المضارعة في (أ، ق).
(٢) (ق، ط): «الله ربُّه».
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «يشرك».
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٧٠). وانظر: تفسير الطبري (١٣/ ٢٤٢ ــ ٢٤٣).
(٥) تصحف في (ق، ب، ن، غ): «الزيدي».
(٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٨٠). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٥٣) إلى ابن جرير وأبي الشيخ.