خالقها من ذريته١ إلى يوم القيامة. فمن حدَّثك أنه يزيد فيهم شيئًا أو ينقص منهم، فقد كَذَب. ولو كان لي سبعون ما بالَيْت٢.
وفي «تفسير ابن عيينة» عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾[آل عمران: ٨٣]. قال: يوم أخْذِه٣ الميثاق٤.
قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقِرِّين. وذلك أنَّ الله ﷿ أخبر أنه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[الأعراف: ١٧٢] والله تعالى لا يخاطِب إلا من يفهم عنه المخاطبة، ولا يجيب إلا مَن فهِم السؤال. فإجابتُهم إياه بقولهم دليلٌ على أنَّهم قد فهموا عن الله ﷿ وعقلوا عنه استشهاده إياهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأجابوه من بعد عَقْلٍ منهم للمخاطبة وفهمٍ لها بأن: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ فأقرُّوا له بالرُّبوبية.
(١) في كتاب القدر: «بين يديه».
(٢) أخرجه ابن وهب في كتاب القدر (١٤) عن هشام بن سعد.
(٣) (ق): «أخذ».
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٨١) عن الربيع عن أبي العالية نحوه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾[الأعراف: ١٠٢]. أما في تفسير الآية المذكورة من آل عمران، فأخرج ابن أبي حاتم (٣٧٧٦)، والطبري (٦/ ٥٦٥) عن الربيع عن أبي العالية قوله: «كلُّ آدمي قد أقرَّ على نفسه بأن الله ربِّي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهًا، ومن أخلص له العبودة فهذا الذي أسلم طوعًا». هذا لفظ الطبري. وقد أخرج بعد هذا الأثر عن ابن عباس نحو ما روي هنا عن أبي العالية.
فصل
واحتجُّوا أيضًا بما رواه أبو عبد الله بن منده، أخبرنا محمد بن محمد بن صابر البخاريُّ، ثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهَرَوي، ثنا جعفر بن محمد بن هارون المِصِّيصي، ثنا عتبة بن السَّكَن، ثنا أرطاة بن المنذر، ثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حَلْبَس١، عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»٢.
فهذا بعض ما احتج به هؤلاء.
قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين:
أحدهما: ذكر الدليل على الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان.
الثاني: الجواب عما استدلَلْتم به.
فأما المقام الأول، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾[الحجرات: ١٣]. وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدلَّ على أنَّ جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين.
(١) تصحف في (ق، ب) إلى «جليس»، وفي (ن) إلى «حبيب».
(٢) إسناده ضعيف جدًّا؛ وقد بيَّن المصنف ﵀ ــ كما سيأتي ــ أن إسناده لا يصح؛ لأن فيه عتبة بن السكن قال عنه الدارقطني: متروك، وشيخه أرطاة بن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط. وفي إسناده أيضًا عطاء بن عجلان الحنفي، قال الحافظ في التقريب: «متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب». ثم أعلَّ الجزء الأول من متنه بمخالفته للأحاديث الصحيحة التي دلّت على خلق الجسد قبل الروح. (قالمي).