الروح

فصل

واحتجُّوا أيضًا بما رواه أبو عبد الله بن منده، أخبرنا محمد بن محمد بن صابر البخاريُّ، ثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهَرَوي، ثنا جعفر بن محمد بن هارون المِصِّيصي، ثنا عتبة بن السَّكَن، ثنا أرطاة بن المنذر، ثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حَلْبَس١، عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»٢.

فهذا بعض ما احتج به هؤلاء.

قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين:

أحدهما: ذكر الدليل على الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان.

الثاني: الجواب عما استدلَلْتم به.

فأما المقام الأول، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدلَّ على أنَّ جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين.

  1. (١) تصحف في (ق، ب) إلى «جليس»، وفي (ن) إلى «حبيب».
  2. (٢) إسناده ضعيف جدًّا؛ وقد بيَّن المصنف ﵀ ــ كما سيأتي ــ أن إسناده لا يصح؛ لأن فيه عتبة بن السكن قال عنه الدارقطني: متروك، وشيخه أرطاة بن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط.
    وفي إسناده أيضًا عطاء بن عجلان الحنفي، قال الحافظ في التقريب: «متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب». ثم أعلَّ الجزء الأول من متنه بمخالفته للأحاديث الصحيحة التي دلّت على خلق الجسد قبل الروح. (قالمي).
466

وأصرحُ منه قوله١: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وهذا صريح في أنَّ خلْقَ جُملةِ النوعِ الإنساني بعد خلقِ [١٠٤ أ] أصله.

فإن قيل: هذا٢ لا ينفي تقدُّمَ خلق الأرواح على أجسادها، وإن خُلِقت بعد خلق أبي البشر، كما دلَّت عليه الآثار المتقدمة.

قيل: سنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أنَّ الآثار المذكورة لا تدلُّ على سَبْق الأرواحِ الأجسادَ٣ سَبْقًا مستقرًّا ثابتًا. وغايتُها أن تدلَّ بعد صحتها وثبوتها على أنَّ بارئها وفاطرها سبحانه صوَّر النَّسَمَ، وقدَّر خلْقَها وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصورَ من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروج٤ كلِّ فرد من أفرادها في وقته المقدَّر له. ولا تدل على أنها خُلقت خلقًا مستقرًّا، ثم استمرَّت موجودةً٥ حيَّةً عالمةً٦ ناطقةً، كلُّها في موضع واحد. ثم تُرسَل منها إلى الأبدان جملةً بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحتمل٧ الآثارُ ما لا طاقة لها به؟ نعم الربُّ سبحانه يخلق منها جملةً بعدَ جملةٍ على الوجه الذي سبق به التقدير أولًا، فيجيءُ الخلق الخارجيُّ مطابقًا

  1. (١) لم يرد «قوله» في (أ، غ).
  2. (٢) ما عدا (أ، غ): «فهذا».
  3. (٣) (ب، ج، ن): «للأجساد».
  4. (٤) (أ، ق، غ): «كل خروج»، ولعله سهو.
  5. (٥) (ق، ط، ن): «بوجوده».
  6. (٦) «حية» ساقط من (ب، ج). وسقط من (ن) معه «عالمة».
  7. (٧) (ب، ج، ن): «تحمل».
467

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي