النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقد سخَّر مع داود الجبال تسبِّح١ معه والطيرَ.
وقال ابن الأنباري٢: مذهب أصحاب الحديث وكُبَراء٣ العلم في هذه الآية: أنَّ الله أخرج ذرية آدم من صُلبه وأصلابِ أولاده، وهم في صوَر الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون. فاعترفوا بذلك، وقبلوا. وذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عُرِض عليهم، كما جعل للجبل عقلًا حتى٤ خُوطب٥، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد٦،
(١) (ق، ط): «يسبِّحن». وفي معاني الزجاج والبسيط ورد نصّ الآية (١٠) من سورة سبأ.
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾[سبأ: ١٠] وما رواه البخاري [٣٦٧٥] عن أنس أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثبُتْ أحدُ، فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان».
(٦) يشير إلى حديث أنس بن مالك قال: كان أهلُ بيت من الأنصار لهم جملٌ يَسنُون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم، فمنعهم ظهرَه ... الحديث. وفيه: «فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوَه، حتى خرَّ ساجدًا بين يديه» أخرجه الإمام أحمد (١٢٦١٤) ــ ومن طريقه الضياء المقدسي في المختارة (١٨٩٥) ــ، والبزار (٦٤٥٢)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢٨٧). أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٣٥) من المسند، ثم قال: «وهذا إسناد جيد». وعزاه الهيثمي في المجمع (٩/ ٤) للإمام أحمد والبزار وقال: «ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس وهو ثقة». (قالمي).
والنخلة١ حتى سمعتْ، وانقادت حين دُعِيتْ.
وقال الجرجانيُّ٢: ليس [١٠٦ أ] بين قول النبي ﷺ: «إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذرية» وبين الآية اختلافٌ بحمد الله، لأنه٣﷿ إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأنَّ ذرية آدم ذريةٌ لذريته، بعضُهم من بعض٤. وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾٥[الأعراف: ١٧٢]. أي: عن الميثاق المأخوذ عليهم، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودًا عليهم بأخذ الميثاق.
قال: وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية٦ من أن الله
(١) (أ، ق، ط، غ): «النملة»، تحريف. والمصنف يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٣٦٢٨) من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: بما أعرف أنك نبيٌّ؟ قال: إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ فدعاه رسول الله ﷺ، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ. ثم قال: ارجع، فعاد. فأسلم الأعرابي. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح». وانظر تخريجه في حاشية المسند ــ طبعة الرسالة (٣/ ٤٢٤).
(٢) صاحب «نظم القرآن»، وهو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني. انظر ترجمته في تاريخ جرجان للسهمي (١٤٦). وقد وهم الداودي في طبقات المفسرين (١/ ١٣٨) فترجم للحافظ أبي علي الحسن بن علي بن نصر الطوسي، ونسب «نظم القرآن» إليه.
(٣) (ب، ج، ن): «لأن الله».
(٤) قول الجرجاني إلى هنا نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٤٩).
(٥) كذا وردت الآية (أن يقولوا) بالياء على قراءة أبي عمرو. ولم ينقط حرف المضارعة في (أ، ق).