كل منفوس ممن بلغ وممن١ لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد٢ على من بلغَ منهم الحجَّةَ بالآيات والدلائل التي نصبَها في نفسه وفي العالَم، وبالرسل المُنفَذة٣ إليهم مبشِّرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمَثُلات٤ المنقولة إليهم أخبارُها٥؛ غيرَ أنه ﷿ لا يطالب أحدًا منهم من الطاعة إلا بقدر٦ ما لزمه من الحجة، وركَّب فيهم من القدرة، وآتاهم من الآلة٧. وبيَّن سبحانه ما هو عاملٌ في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنَّا علمَ ما قدَّره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدلٌ لا يجور في حكمه، وحكيمٌ لا تفاوتَ في صنعه، وقادرٌ لا يُسأل عمَّا يفعل، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
فصل
ونازع هؤلاء غيرُهم في كون هذا معنى الآية٨، وقالوا: معنى قوله:
(١) (ب، ط، ن، ج): «ومن».
(٢) (ن): «ردًّا»، خطأ.
(٣) في الأصل: «المتقدمة». ويظهر أنه مغيَّر وكذا في (غ). والمثبت موافق لما في البسيط والخازن.
(٤) (ق): «والمثلات». وكذا في البسيط.
(٥) «وحصل ... أخبارها» نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٤٩).
(٦) (ط): «الطاعة ما لا يقدر»، تحريف.
(٧) كذا في جميع النسخ. وقد زاد بعضهم دالًا في الأصل قبل اللام فوق السطر ليقرأ «أدلة». وكذا في (غ) والنسخ المطبوعة. والظاهر أنه إصلاح من بعض النسَّاخ.
(٨) (ب، ج، ن): «تفسير الآية». وفي الأصل: «هذا المعنى الآية». فكتب بعضهم في حاشيته: «معنى» يعني: «هذا المعنى معنى الآية». وكذا في (غ). وفي (ط): «كون هذا الآية»، فعلق بعضهم في طرّتها: «لعله: هذا معنى». يريد ما أثبتنا.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾١[الأعراف: ١٧٢]، أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نُطَفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدَهم على أنفسهم أنه ربُّهم، بما أظهرَ لهم من آياته وبراهينه التي تضطرُّهم إلى أن يعلَموا أنه خالقُهم؛ فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربِّه ما يَشهدُ٢ على أنه بارئُه ونافذُ الحكم فيه. فلمَّا عرفوا ذلك ودعاهم كلُّ ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهَدين٣ على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾[التوبة: ١٧] يريد: هم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن كفَرة. وكما تقول: شهدَتْ جوارحي بقولك، تريد٤: قد عرفتُه، فكأنَّ جوارحي لو استُشْهدتْ وفي وُسعها أن تنطِق لشهدتْ. ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾[آل عمران: ١٨] يريد: أعلَمَ وبيَّن، فأشبه إعلامُه وتبيينُه ذلك شهادةَ من شَهِد عند الحكام وغيرهم٥. هذا كلام ابن الأنباري٦.
(١) كذا وردت الآية في النسخ: ﴿ذرياتهم﴾ على قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر ما عدا (ق)، ففيها بالإفراد على قراءة الباقين من السبعة.
(٢) (ب): «ينبهه». ولعله تصحيف.
(٣) في طرّة الأصل أن في نسخة: «والمستشهدين».
(٤) زاد بعده في (ط): «به».
(٥) قوله: «ومن هذا الباب» إلى هنا مضطرب في (ق).
(٦) نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٥٦) وهو مصدر المصنف .. ولفظ المصنف قد يُفهم منه أن هذا قول ابن الأنباري. ولكن الواحدي لم يصرِّح بهذا. وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٨٦) أن ابن الأنباري حكى نحو هذا القول.