فهذا ميثاقٌ أخَذه١ منهم بعدَ بعثهم كما أخذ من أممهم بعدَ إنذارهم. [١٠٨ ب] وهذا الميثاق الذي لعَن سبحانه مَن نقَضه، وعاقبه بقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[المائدة: ١٣]، فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاقَ الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله. وقد صرَّح به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: ٦٣].
ولما كانت هذه الآية ونظيرتها٢ في سورة مدنية خاطب بالتذكير بهذا الميثاقِ فيها أهلَ الكتاب، فإنه ميثاقٌ أخَذه عليهم بالإيمان به وبرسله. ولما كانت هذه٣ آيةُ الأعراف في سورة مكية ذكَر فيها الميثاق والإشهاد العامَّ لجميع المكلَّفين٤ بالإقرار بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاقٌ وإشهاد يقومُ به عليهم الحجة٥، وينقطع به العذر٦، وتحلُّ به العقوبة،
(١) (ب، ج، ن): «أُخِذ».
(٢) (ط، ن): «نظيرها».
(٣) «هذه» ساقط من (ب، ج).
(٤) في (أ، ق) بعده: «ممَّن» كذا مضبوطًا في الأصل. ولعله سهو، ولكن في (غ): «ممَّن أقرَّت»!
(٥) (ط): «عليهم به الحجة». (ن): «به الحجة عليهم».
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «المعذرة».
ويُستَحقُّ بمخالفته الإهلاك. فلابدَّ أن يكونوا ذاكرين له، عارفين به؛ وذلك ما فطرَهم عليه من الإقرار بربوبيته، وأنَّه ربُّهم وفاطرُهم، وأنَّهم مخلوقون مربوبون. ثم أرسل إليهم رسُلَه يذكِّرونهم بما في فِطَرهم وعقولهم، ويعرِّفونهم حقَّه عليهم وأمرَه ونهيَه ووعدَه ووعيدَه١.
ونظمُ الآية إنما يدلُّ على هذا من وجوه متعددة٢:
أحدها: أنه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: آدم٣، وبنو آدم غيرُ آدم.
الثاني: أنه قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، ولم يقل: من ظهره، وهذا بَدَلُ بعضٍ من كلٍّ، أو بدلُ اشتمالٍ٤، وهو أحسن٥.
الثالث: أنه قال: ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾، ولم يقل: ذرِّيته.
الرابع: أنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جعلهم شاهدِين على
(١) «ووعده ووعيده» ساقط من (ب).
(٢) هذه الوجوه العشرة كلها نقلها شارح الطحاوية (٢١٩ ــ ٢٢٠) دون الإشارة إلى مصدرها حسب طريقته. وانظر جملة منها بالنص أو غيره في مفاتيح الغيب (١٥/ ٥٠ - ٥٣).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «من آدم».
(٤) اقتصر على الثاني العكبري في التبيان (١/ ٦٠٢). وعلى الأول مكي في مشكل إعراب القرآن (١/ ٣٠٦) والزمخشري في الكشاف (٢/ ١٧٦). قال السمين في الدر المصون (٥/ ٥١١): «وهو الظاهر، كقولك: ضربت زيدًا ظهره، وقطعته يده. لا يعرب أحد هذه بدل اشتمال».