إحداهما: أن لا يدَّعوا الغفلة، والثانية: أن لا يدَّعوا التقليد؛ فالغافلُ لا شعورَ له، والمقلِّدُ متَّبِعٌ في تقليده لغيره.
الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو عذَّبهم١ بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك. وهو سبحانه إنما يُهلِكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجَّة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بُطلان٢ ما كانوا عليه. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليُهلِك القرى بظلم، وأهلُها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار٣.
التاسع: أنه سبحانه أشهدَ كلَّ واحدٍ واحدٍ٤ على نفسه أنه ربُّه وخالقُه، واحتَجَّ عليهم٥ بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[الزخرف: ٨٧]. أي: فكيف يُصرَفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أنَّ الله ربُّهم وخالقُهم. وهذا كثير في القرآن. فهذه هي الحجَّةُ التي أشهدَهم على أنفسهم بمضمونها، وذكَّرتْهم بها رسلُه بقوله٦: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[إبراهيم: ١٠].
(١) (ط): «عذبتهم». (ن): «لِوَعْدِهم»، وهو تصحيف. والنص في شرح الطحاوية أيضًا مصحف.
(٢) في (أ، غ): «معرفته لبطلان»، وفي (ق): «معرفته بطلان». ولعله من سهو الأصل.
(٣) (ط): «الإنذار والإعذار».
(٤) كذا في الأصل وفي (ق). وحذفت الثانية في النسخ الأخرى. لعلهم ظنوها مكررة سهوًا.
(٥) «عليهم» ساقط من (ط).
(٦) (ب، ج): «بقولهم».
فالله تعالى إنما ذكَّرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة، ولم يذكِّرهم قطُّ١[١٠٩ ب] بإقرارٍ سابقٍ على إيجادهم، ولا أقام به عليهم حجَّة.
العاشر: أنه جعل هذا آيةً، وهي الدِّلالة الواضحة البيِّنة المستلزِمة لمدلولها بحيث لا يتخلَّف عنها المدلول. وهذا شأن آيات الرب تعالى٢ فإنها أدلةٌ معيَّنةٌ٣ على مطلوب معيَّن مستلزِمةٌ للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾[الأنعام: ٥٥]. أي: مثلَ هذا التفصيلِ والتَّبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان.
وهذه الآيات التي فصَّلها هي التي بيَّنها في كتابه من أنواع مخلوقاته. وهي آيات أفقية٤ ونفسية، آياتٌ في نفوسهم وذواتهم٥ وخَلْقهم، وآياتٌ في الأقطار والنواحي مما يُحدِثه الربُّ ﵎، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدقِ رسلِه، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبْيَنِها٦ ما أشهدَ به كلَّ واحد على نفسه من أنه ربُّه وخالقُه٧ ومبدعُه، وأنه مربوب مصنوع
(١) «قط» ساقط من (ط).
(٢) «لمدلولها ... تعالى» ساقط من الأصل.
(٣) (ب، ج): «يقينية»، ولعله تصحيف.
(٤) ضبط في (ط) بفتح أوله وثانيه، ثم كتب في طرّتها كل حرف على حدة مع ضبطه. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق (١٣٢): «رجل أَفَقي، إذا أضفته إلى الآفاق. وبعضهم يقول: أُفُقي». وقد تحرَّف الكلمة في (ق) إلى «فقهية»، واختارها بعض الناشرين!
(٥) في (ط): «دوابهم»، تصحيف.
(٦) (ق): «أثبتها»، تصحيف. وفي (ب، ج): «آياتها»، تحريف.