الروح

فالله تعالى إنما ذكَّرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة، ولم يذكِّرهم قطُّ١ [١٠٩ ب] بإقرارٍ سابقٍ على إيجادهم، ولا أقام به عليهم حجَّة.

العاشر: أنه جعل هذا آيةً، وهي الدِّلالة الواضحة البيِّنة المستلزِمة لمدلولها بحيث لا يتخلَّف عنها المدلول. وهذا شأن آيات الرب تعالى٢ فإنها أدلةٌ معيَّنةٌ٣ على مطلوب معيَّن مستلزِمةٌ للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥]. أي: مثلَ هذا التفصيلِ والتَّبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان.

وهذه الآيات التي فصَّلها هي التي بيَّنها في كتابه من أنواع مخلوقاته. وهي آيات أفقية٤ ونفسية، آياتٌ في نفوسهم وذواتهم٥ وخَلْقهم، وآياتٌ في الأقطار والنواحي مما يُحدِثه الربُّ ﵎، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدقِ رسلِه، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبْيَنِها٦ ما أشهدَ به كلَّ واحد على نفسه من أنه ربُّه وخالقُه٧ ومبدعُه، وأنه مربوب مصنوع

  1. (١) «قط» ساقط من (ط).
  2. (٢) «لمدلولها ... تعالى» ساقط من الأصل.
  3. (٣) (ب، ج): «يقينية»، ولعله تصحيف.
  4. (٤) ضبط في (ط) بفتح أوله وثانيه، ثم كتب في طرّتها كل حرف على حدة مع ضبطه. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق (١٣٢): «رجل أَفَقي، إذا أضفته إلى الآفاق. وبعضهم يقول: أُفُقي». وقد تحرَّف الكلمة في (ق) إلى «فقهية»، واختارها بعض الناشرين!
  5. (٥) في (ط): «دوابهم»، تصحيف.
  6. (٦) (ق): «أثبتها»، تصحيف. وفي (ب، ج): «آياتها»، تحريف.
  7. (٧) (ط): «خالقه وربه».
492

مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ومُحالٌ أن يكون حدَثَ بلا مُحدِث، أو يكون هو المحدِثَ لنفسه. فلابد له من مُوجِد أوجده١ ليس هو كمثله. وهذا الإقرار والشهادة٢ فطرةٌ فُطِروا عليها ليست بمكتسَبة.

وهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾٣ [الأعراف: ١٧٢]. مطابقةٌ لقول النبي ﷺ: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»٤. ولقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٠ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].

ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري٥. ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حَكَى القولين كابن الجوزيِّ٦، والواحديِّ٧، والماوردي٨، وغيرهم.

  1. (١) (ط): «يوجده».
  2. (٢) ما عدا (ب، ج، ن): «المشاهدة».
  3. (٣) سبق التنبيه غير مرة على أن الآية وردت كذا في النسخ على قراءة أبي عمرو. وبها قرأ نافع وابن عامر أيضًا.
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥) من حديث أبي هريرة. وبلفظ آخر عنه في البخاري (١٣٥٨) ومسلم (٢٦٥٨).
  5. (٥) الكشاف (٢/ ١٧٦).
  6. (٦) زاد المسير (٣/ ٢٨٣ ــ ٢٨٦).
  7. (٧) البسيط (٩/ ٤٤٣ ــ ٤٥٨).
  8. (٨) النكت والعيون (٢/ ٢٧٧ ــ ٢٧٩).
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي