الروح

الأحوال مختلفة؛ لأن١ الصَّلصال غيرُ الحمأة، والحمأة غيرُ التراب، إلا أنَّ مرجعَها كلِّها في الأصل٢ إلى جوهر واحد، وهو التراب، ومن التراب تدرَّجت هذه الأحوال.

فقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقوله ﷺ: «إن الله مسح ظهرَ آدم، فاستخرج منه ذريته» معنًى واحدٌ٣ في الأصل، إلا أنَّ قوله ﷺ: «مسح ظهرَ آدم» زيادةٌ في الخبر عن الله ﷿. ومَسْحُه٤ ﷿ ظهرَ آدم واستخراجُ ذريته منه٥ مسحٌ لظهور ذريته واستخراجُ ذرياتهم من ظهورهم، كما ذكر تعالى؛ لأنَّا قد علمنا أنَّ جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه، لكن لما كان الطبَق الأول من صُلْبه، ثم الثاني من صلب الأول، ثم الثالث من صلب الثاني، جاز أن يُنسَب ذلك كلُّه إلى ظهر آدم، لأنهم فرعُه، وهو أصلُهم. وكما جاز أن يكون ما ذكر الله ﷿ أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم، جاز أن يكون ما ذكر ﷺ أنه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته؛ إذ الأصلُ والفرع شيءٌ واحد.

وفيه أيضًا أنه ﷿ لما أضاف الذريةَ إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية، وعن آدم؛ كما قال ﷿: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. فالخبر في الظاهر عن الأعناق، والنعتُ للأسماء

  1. (١) (أ، ق، غ): «أن».
  2. (٢) «في الأصل» ساقط من (ن).
  3. (٣) في الأصل: «واحدًا»، وكذا في (ق، ن)!
  4. (٤) (ط): «ومسح الله».
  5. (٥) لم يرد «منه» في الأصل.
498

المَكنِيَّة فيها، وهو١ مضاف إليها، كما كان آدم مضافًا إليه هناك، وليسا جميعًا بالمقصودين ــ في الظاهر ــ بالخبر. ولا يُحتَمَل أن يكون قوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ للأعناق، لأنَّ وجه جمعها: خاضعات. ومنه قول الشاعر٢:

وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أذعتَهكما شرِقتْ صدرُ القَناةِ من الدم

فالصدر مذكر، وقوله: «شرقت» أُنِّث لإضافة الصدر إلى القناة.

فصل

فهذا بعضُ كلام السلف والخلف في هذه الآية. وعلى كلِّ تقدير، فلا تدلُّ على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقًا مستقرًّا، وإنما غايتُها أن تدلَّ على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذرِّ، واستنطاقهم، ثم ردِّهم إلى أصلهم، إن صحَّ الخبر بذلك. والذي صحَّ إنما هو إثباتُ القدر السابق، وتقسيمُهم إلى شقي وسعيد.

وأما استدلالُ أبي محمد بن حزم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، فما أليَقَ هذا الاستدلالَ بظاهريَّته، لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خَلْقنا وتصويرنا؛ والخطابُ للجملة المركّبة من البدن والروح، وذلك متأخِّر عن خلق آدم.

  1. (١) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: «هي»، لأن المقصود: الأسماء المكنية.
  2. (٢) هو الأعشى. انظر ديوانه (١/ ٣١٨) وصلة البيت قبله:
    لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانين قامةً ... ورُقِّيتَ أسبابَ السماء بسُلَّمِ
    ليَستدرِجَنْكَ القولُ حتى تهِرَّه ... وتعلمَ أنِّي عنك لستُ بمُلْجَم
    والمخاطَب: عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، هجاه الأعشى في هذه القصيدة.
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي