ففي تفسير١ أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة، عن ابن مسعود؛ وعن ناسٍ من أصحاب النبي ﷺ: «لما فرَغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسَ٢ على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: «الجن»، وإنما سُمُّوا «الجنَّ»؛ لأنهم خُزَّانُ الجنَّة. وكان إبليسُ مع ملكه خازنًا، فوقع في صدره، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي٣ ــ وفي لفظ: لمزيةٍ لي ــ على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبرُ في نفسه اطَّلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة٤: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: ٣٠].
قالوا: ربَّنا، وما يكون حال الخليفة؟ قال: تكون له ذريةٌ يُفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل٥ بعضُهم بعضًا. قالوا: ربنا
(١) زاد بعده بعض القراء في (ط) فوق السطر: «السدِّي عن». وكأنه قد سقط من النسخ. فقد سبق (٤٤٠) أن نقل المصنف أثرًا من تفسير السدِّي بهذا السند، من كتاب محمد بن نصر المروزي. وقد أورد ابن كثير في تفسيره (١/ ٧٣ ــ ٧٤) الأثر الآتي، وعقب عليه بقوله: «فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدِّي. ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري!».
(٢) زاد في (ب، ن): «لعنه الله».
(٣) كذا في (أ، ق، ط، غ). وكذا في تفسير الطبري (شاكر ١/ ٤٥٨) والدر المنثور (١/ ٢٤٥). وفي (ن): «لمزيَّتي»، ولعله إصلاح من ناسخها.
فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض١ مني، فرجَعَ، ولم يأخذ، وقال: ربِّ إنها عاذت بك، فأعذتُها. فبعث ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها. فبعث ملَكَ الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفِّذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخَلَط. فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصعِد به، فبلَّ الترابَ٢ حتى عاد طينًا لازبًا. واللازب: هو الذي يلزَقُ٣ بعضُه ببعض.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[ص: ٧١ - ٧٢]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبَّر إبليسُ عنه، ليقول له: تتكبَّرُ عما عملتُ بيدي، ولم أتكبَّر أنا عنه. فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة، فمرَّت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه. وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به، فيضربه، فيصوِّتُ [١١٣ أ] الجسدُ كما يصوِّت الفَخَّارُ، تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ
(١) (ب، ج): «تنقص». وكذا في تفسير الطبري (١/ ٤٥٩) وتاريخه (١/ ٩٠).
(٢) ما عدا (ب، ج): «قِبَلَ الربّ» كذا مضبوطًا في (ط، ق، ن، غ). وفي النسخ المطبوعة زيد: «﷿»! والمثبت موافق لما في تفسير الطبري وتاريخه، وهو مقتضى السياق.