وعرض وعمق، وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق. وكلُّ واحد١ منهما يجمعهما صفة الحدِّ والنهاية٢.
وقالت طائفة٣: إن النفس موصوفةٌ بما وصفها هؤلاء الذين قدَّمنا ذكرَهم من معنى الحدود والنهايات، إلا أنها غيرُ مفارقة لغيرها مما لا يجوز٤ أن يكون موصوفًا بصفة الحيوان.
وحكى الحريري٥ عن جعفر بن مُبَشِّر٦: أن النفس جوهر، ليس هو هذا الجسمَ وليس بجسم، ولكنه معنى بايَنَ الجوهر والجسم.
وقال آخرون: النفسُ معنًى غيرُ الروح٧، والروحُ غير الحياة، والحياة عنده عرضٌ. وهو أبو الهذيل، يزعم٨ أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوبَ النفس والروحِ دون الحياة [١١٦ أ]. واستَشْهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
(١) (ب، ط): «فكل واحد». وكذا في المقالات.
(٢) في المقالات: «وهذا قول طائفة من الثنوية يقال لهم المنانية».
(٣) قال الأشعري: وهؤلاء الدِّيصانية.
(٤) (ب، ط، ج): «مقارنة لغيرها لا يجوز».
(٥) (ن): «الجُريري» بالجيم المضمومة. ولم أقف على ترجمته.
(٦) الثقفي (ت ٢٣٤) هو مثل جعفر بن حرب من معتزلة بغداد، وكلاهما مشهور عندهم بالعلم والورع. طبقات المعتزلة (٧٦) وتاريخ بغداد (٧/ ١٦٢).
(٧) (ط): «غير معنى الروح».
(٨) كذا في الأصل. وفي غيره والمقالات: «وزعم».
[الزمر: ٤٢].
وقال جعفر بن حرب: النفس عَرَضٌ من الأعراض يوجَد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبهها، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام١.
هذا ما حكاه الأشعري.
وقال طائفة: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفُّس. قالوا: والروح عرَضٌ، وهي٢ الحياة فقط، وهو غيرُ النَّفْس، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن اتَّبعه من الأشعرية٣.
وقالت طائفة: ليست النفس جسمًا ولا عرضًا وليست في مكان، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض٤. ولا هي في العالم ولا خارجَه، ولا محايثة٥ له ولا مباينة. وهذا قول المشَّائين، وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس٦. وزعموا أن تعلُّقها بالبدن لا بالحلول فيه
(١) كذا نقل الأشعري قول جعفر بن حرب هذا دون تعقيب، مع أنه قبل قليل ذكر قوله بأنه لا يدري عن الروح أجوهر هو أم عرض!
(٢) ما عدا الأصل: «وهو».
(٣) هذه الفقرة وجزء من الفقرة الآتية منقولة من كتاب الفصل لابن حزم (٣/ ٢١٤).
(٤) بعده في الفصل: «وأنها هي الفعالة المدبرة، وهي الإنسان. وهو قول بعض الأوائل، وبه يقول معمَّر بن عمرو العطار أحد شيوخ المعتزلة.
(٥) هذه قراءة (غ)، والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: «مجانبة».