وقال جعفر بن حرب: النفس عَرَضٌ من الأعراض يوجَد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبهها، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام١.
هذا ما حكاه الأشعري.
وقال طائفة: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفُّس. قالوا: والروح عرَضٌ، وهي٢ الحياة فقط، وهو غيرُ النَّفْس، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن اتَّبعه من الأشعرية٣.
وقالت طائفة: ليست النفس جسمًا ولا عرضًا وليست في مكان، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض٤. ولا هي في العالم ولا خارجَه، ولا محايثة٥ له ولا مباينة. وهذا قول المشَّائين، وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس٦. وزعموا أن تعلُّقها بالبدن لا بالحلول فيه
(١) كذا نقل الأشعري قول جعفر بن حرب هذا دون تعقيب، مع أنه قبل قليل ذكر قوله بأنه لا يدري عن الروح أجوهر هو أم عرض!
(٢) ما عدا الأصل: «وهو».
(٣) هذه الفقرة وجزء من الفقرة الآتية منقولة من كتاب الفصل لابن حزم (٣/ ٢١٤).
(٤) بعده في الفصل: «وأنها هي الفعالة المدبرة، وهي الإنسان. وهو قول بعض الأوائل، وبه يقول معمَّر بن عمرو العطار أحد شيوخ المعتزلة.
(٥) هذه قراءة (غ)، والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: «مجانبة».
(٦) (ب، ط): «أرطاطاليس».
ولا بالمجاورة ولا بالمساكنة ولا بالاتصال بالمقابلة؛ وإنما هي بالتدبير له فقط.
واختار هذا المذهب البُوشَنْجي١، ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد٢، ومُعمَّر بن عبَّاد٣، والغزالي. وهو قول ابن سينا وأتباعه. وهو أردأ المذاهب وأبطلُها، وأبعدُها من الصواب٤.
قال أبو محمد بن حزم٥: وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقِرَّة بالمعاد٦ إلى أن النفس جسمٌ طويل عريض عميق، ذات مكان، حيَّة٧ مميِّزة مصرِّفة للجسد. قال: وبهذا نقول. قال: والنفس والروح اسمان
(١) (ب، ط، ج): «أبو يحيى»، والظاهر أنه تحريف. ولعل المقصود بالمذكور هنا أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي (ت ٣٤٨) من مشايخ خراسان. ترجمته في طبقات السلمي (٤٥٨).
(٢) البغدادي (ت ٤١٣). ويُعرف أيضًا بابن المعلم. من كبار علماء الشيعة. سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٣٣٣).
(٤) قال الآلوسي: «وهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة، وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين». وذكر منهم الراغب والغزالي ومحمد بن عباد والمفيد، ثم قال: «ومن الكرامية جماعة، ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم». روح المعاني (٨/ ١٤٨). وهو صادر في ذلك عن تفسير الرازي (٢١/ ٤٦). وانظر نحوه في المواقف (٢/ ٦٧٠) وكشاف التهانوي (٣/ ١٤٠١).
(٥) في الفصَل (٣/ ٢١٤).
(٦) (ن): «بالبعث».
(٧) في الأصل: «جثة». وفي كتاب الفصل مكانه: «عاقلة».