فالناس١ لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما٢؟ فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه.
قال الرازي: «وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارةٌ عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن، فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على وجوه:
الأول: أنه عبارة عن الأخلاط [١١٧ أ] الأربعة التي منها يتولد٣ هذا البدن.
والثاني: أنه الدم.
والثالث: أنه الروح اللطيفُ الذي يتولَّد في الجانب الأيسر من القلب، وينفذ في الشَّرْيانات إلى سائر الأعضاء.
والقول الرابع: أنه الروح الذي يصعد في القلب٤ إلى الدماغ ويتكيف بالكيفية الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكر والذكر.
والخامس: أنه جزء لا يتجزأ في القلب.
والسادس: أنه جسم مخالف٥ بالماهية لهذا الجسم المحسوس،
(١) (ب، ط): «والناس».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «كل منهما».
(٣) ما عدا (أ، ق): «يتولد منها». وقد سقط «منها» من (غ).
(٤) (ن): «من القلب».
(٥) (ب، ط، ج): «يخالف».
وهو جسم نُوراني عُلْوِيٌّ خفيف حيٌّ متحرك١ ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سَرَيان الماء في الورد، وسريان الدُّهْن في الزيتون، والنارِ في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا٢ لهذه الأعضاء، وأفادَها هذه الآثارَ من الحسِّ والحركة الإرادية٣. وإذا فسدتْ هذه الأعضاء٤ بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروحُ البدنَ، وانفصل إلى عالم الأرواح».
وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصحُّ غيره، وكلُّ الأقوال سواه باطلةٌ، وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة. ونحن نسوق الأدلة عليه على نسَق واحد: