الروح

قالوا: وإنَّ هذه الأجسامَ١ ممكنةٌ بذواتها، وذلك صفة عَرَضية لها خارجة عن ماهيتها، فإن لم تنقسم بانقسام محلِّها بطل الدليل. وإن انقسمت عاد المحذور المذكور من مساواة الجزء للكل أو التسلسل٢.

قلت: وهذا أيضًا لا يلزم٣، لأن الإمكان ليس أمرًا يدلُّ٤ على قبول الممكن للوجود والعدم. وذلك القبولُ من لوازم ذاته، ليس صفةً عارضة له؛ ولكن الذهنَ يجرِّد هذا القبولَ عن القابل، فيكون عُروضُه للماهية بتجريد الذهن. وأما قضية مساواة٥ الجزء للكل، فلا امتناعَ في ذلك، كسائر الماهيات البسيطة، فإنَّ جزأها مساوٍ لكلِّها في الحدِّ والحقيقة، كالماء والتراب والهواء. وإنما الممتنعُ أن يتساوى الجزءُ والكلُّ في الكمِّ، لا في نفس الحقيقة.

والمعوَّل في إبطال هذه الشبهة على أن العلم ليس بصورة حالَّة في النفس، وإنما هو نسبة [١٣٣ ب] وإضافة بين العالم والمعلوم، كما نقول في الإبصار: إنه ليس بانطباعِ صورةٍ مساويةٍ٦ للمبصَر في القوة الباصرة، وإنما هو نسبةٌ وإضافة بين القوة الباصرة والمبصَر.

وعامَّة شبههم التي أوردوها في هذا الفصل مبنية على انطباع صورة

  1. (١) (ب، ط، ج): ولأن هذه الأقسام.
  2. (٢) (ق، ب، ط، غ): «والتسلسل».
  3. (٣) ما عدا الأصل و(غ): «لا يلزمهم».
  4. (٤) (ب، ج): «زائدًا».
  5. (٥) في الأصل: «مشاركة». وكذا في (ق، غ). وهو تحريف.
  6. (٦) ما عدا (ب، ن، ج): متساوية.
581

المعلوم في القوة العالمة، ثم بنوا على ذلك أن انقسام ما لا ينقسم في المنقسم محال.

وقولهم: محل العلوم الكلِّية لو كان جسمًا أو جسمانيًا لانقسمت١ تلك العلوم؛ لأن الحالَّ في المنقسم منقسم. ولم يذكروا على صحة هذه المقدمة دليلًا ولا شبهة وإنما بأيديهم مجرَّدُ الدَّعوى، وليست بديهيةً حتى تستغني٢ عن الدليل. وهي مبنية على أنَّ العلم بالشيء عبارة عن حصول صورةٍ مساوية لماهية المعلوم في نفس العالِم، وهذا من أبطل الباطل للوجوه التي تُذكر هناك.

وأيضًا فلو سلَّمنا لكم ذلك كان من أظهر الأدلَّة على بطلان قولكم، فإنَّ هذه الصورة إذا كانت حالَّةً في جوهر النفس الناطقة٣ فهي صورة جزئية حالّة في نفس جزئيةٍ يقارنُها٤ سائرُ الأعراض الحالَّة في تلك النفس الجزئية، فإذا اعتبرنا تلك الصورة مع جملة هذه اللواحق لم تكن صورة مجرَّدة، بل مقرونة بلواحق وعوارض، وذلك يمنع كلِّيتها.

فإن قلتم: المراد بكونها كليةً أنَّا إذا حذفنا عنها تلك اللواحقَ واعتبرناها من حيث هي هي كانت كليةً. قلنا لكم: فإذا جاز هذا، فلِمَ لا يجوز أن يقال: هذه الصورة حالّةٌ في مادة جسمانية٥ مخصوصة، بمقدار معيَّن، وبكُلٍّ

  1. (١) في الأصل: «لانقسم»، سهوًا.
  2. (٢) (ن): «يُستغنى».
  3. (٣) (ق، ز، غ): «الباطنة». ورسمها في الأصل محتمل.
  4. (٤) (ب، ق، ن): «يقاربها»، تصحيف.
  5. (٥) (ب، ط، ج): «جثمانية».
582

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي