الروح

وأيضًا فإنَّ سلفكم من الأوائل أقاموا الدليل على أن انطباع الصورة الخيالية١ في الجوهر المجرَّد مُحالٌ، وذكروا له وجوهًا.

[١٣٦ ب] فصل

قولكم في الثامن: لو كانت القوة العقلية جَسَدانيةً لضعفت في زمن الشيخوخة٢، وليس كذلك. جوابه من وجوه:

أحدها: لمَ لا يجوز أن يقال: القَدرُ المحتاجُ إليه من صحة البدن في كمال القوة العقلية مقدارٌ معين؟ وأما كمالُ حال البدن في الصحة، فإنه غير معتبر في كمال حال القوة العقلية. وإذا احتمل ذلك لم يبعد أن يقال: ذلك القدرُ المحتاجُ إليه باقٍ إلى آخر الشيخوخة، فبقي العقل إلى آخرها.

الوجه الثاني: أن الشيخ لعله إنما يمكنه أن يستمرَّ في الإدراكات العقلية على الصحة، أنَّ٣ عقله يبقى ببعض الأعضاء التي يتأخر الفاسد والاستحالة إليها، فإذا انتهى إليها الفساد والاستحالة فَسَد عقلُه وإدراكه.

الوجه الثالث: أنه لا يمتنع أن يكون بعضُ الأمزجة أوفقَ لبعض القوى، فلعل مزاجَ الشيخ أوفقُ للقوة العقلية، فلهذا السبب تقوى فيه القوة العاقلة.

الوجه الرابع: أن المزاج٤ إذا كان في غاية القوة والشدة كانت سائر القوى قوية، فتكون القوة الشَّهوانية والغضبية قويةً جدًّا. وقوة هذه القوى

  1. (١) (أ، ق، غ): «الحالية». وفي النسخ المطبوعة: «الحالَّة».
  2. (٢) زاد في (ب، ط، ج): «دائمًا» كما سبق في ذكر أدلتهم.
  3. (٣) (ب، ط، ج): «لأن».
  4. (٤) «أوفق ... المزاج» ساقط من (ن، ز).
592

تمنع العقل من الاستكمال، فإذا حصلت الشيخوخة وحصل الضعف، حصل بسبب الضعف ضعفٌ في هذه القوى المانعة للعقل من الاستكمال، وحصل في العقل أيضًا ضعفٌ، ولكن بقدر١ ما حصَلَ في العقل من الضَّعف حصل ذلك في أضداده، فينجبر٢ النقصانُ من أحد الجانبين بالنقصان من الجانب الآخر، فيقع الاعتدال.

الوجه الخامس: أنَّ الشيخ حفِظ العلومَ والتجاربَ الكثيرة، ومارَس الأمور ودَرِبَها وكثرت تجاربه، وهذه الأحوال تعينه٣ على وجوه الفكرِ وقوةِ النظر، فيقاوم النقصان الحاصل بسبب ضعف البدن والقُوى.

الوجه السادس: أن كثرةَ الأفعال سبب٤ لحصول المَلَكات الراسخة [١٣٧ أ]، فصارت الزيادة الحاصلة بهذا الطريق جابرةً للنقصان الحاصل بسبب اختلال البدن.

الوجه السابع: أنه قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «يهرمُ ابن آدم وتشِبُّ فيه٥ خصلتان: الحرص، وطول الأمل»٦. والواقع شاهد لهذا

  1. (١) ما عدا (ب، ط، ج): «بعد».
  2. (٢) (ب، ط، ج): «فيتميز»، تصحيف.
  3. (٣) ما عدا الأصل و(ق، غ): «معينة».
  4. (٤) «سبب» ساقط من الأصل و(غ).
  5. (٥) (ب، ط): «معه». ولعل ما ورد في النسخ مصحف عن «منه».
  6. (٦) أخرجه البخاري (٦٤٢١) ومسلم (١٠٤٧) من حديث أنس. ولفظ مسلم: «وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر». ولفظ البخاري: «يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنتان: حبّ المال، وطول العمر». والقريب من لفظ المؤلف ورد في السنن الكبرى للبيهقي (٦٢٩٨): «... ويبقى منه اثنتان».
593

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي