الروح

بجملتها١. فهذا منعُ٢ المقدمة التلازمية. وأما الاستثنائية، فلا نسلِّم أنها لا يصحُّ أن تعلمَ بعضَها حال غفلتها٣ عن البعض الآخر، ولم تذكروا٤ على بطلانِ ذلك شبهةً فضلًا عن دليل.

ومن المعلوم أن الإنسان قد يشعر بنفسه من بعض الوجوه دون كلِّها. ويتفاوتُ الناس في ذلك، فمنهم من يكون شعوره بنفسه أتمَّ من غيره بدرجات كثيرة.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. فهؤلاء نسُوا نفوسهم لا من جميع الوجوه، بل من الوجه الذي به مصالحُها وكمالُها وسعادتُها، وإن لم ينسَوها من الوجه الذي منه شهوتُها وحظُّها٥ وإرادتُها. فأنساهم مصالحَ نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها، وعيوبَها ونقائصَها٦ أن يُزيلوها٧ ويجتنبوها، وكمالَها الذي خُلقت له أن يعرفوه ويطلبوه. فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجوه، وإن كانوا عالمين بها من وجوه أُخَر.

  1. (١) هذا في (ب، ط، ج). وفي غيرها: «بجهلها»، تحريف. والجملة «فمتى شعرت ..» إلى هنا ساقطة من (ن).
  2. (٢) (ب، ط، ج): «يمنع».
  3. (٣) ما عدا (ج، ن، ز): «عقلها»، تصحيف.
  4. (٤) كذا في (غ). والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: يذكروا.
  5. (٥) رسمها في (أ، ق، ط) بالضاد، فتحرف في (ب، ج، ن، ز) إلى «غضبها».
  6. (٦) بعدها في الأصل زيادة: «أوشي» وكذا في (ق، ب، غ). ولم أدر ما هو.
  7. (٧) (ط، ز): «يتركوها».
600

فصل

[١٣٩ أ] قولكم في السادس عشر: لو كانت النفس جسمًا لوجب ثقلُ البدن بدخولها فيه؛ لأن من شأن الجسم إذا زدتَ عليه جسمًا آخر أن يثقل به.

فهذه شبهة في غاية الثقالة، والمحتجُّ بها أثقَل وأثقَل! وليس كلُّ جسمٍ زِيدَ عليه جسمٌ آخر ثقَّله، فهذه الخشبة تكون ثقيلة، فإذا زِيد عليها جسمُ النار خفَّت جدًّا. وهذا الظرف يكون ثقيلًا، فإذا دخله جسم الهواء خفَّ. وهذا إنما يكون في الأجسام الثِّقال التي تطلب المركزَ والوسطَ بطبعها، وهي تتحرك بالطبع إليه. وأما الأجسام التي تتحرك بطبعها إلى العلوِّ، فلا يعرضُ لها ذلك، بل الأمر فيها بالضدِّ من تلك الأجسام الثقال. بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفَّة.

وقد أخذ هذا المعنى بعضُهم، فقال١:

ثقُلتْ زجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغًاحتى إذا مُلِئَتْ بصِرْف الرَّاح
خَفَّتْ فكادت أن تطير بما حوَتْوكذا الجُسومُ تخِفُّ بالأروَاح
  1. (١) البيتان لإدريس بن اليمان العبدري الأندلسي (ت ٤٥٠) من قصيدة طويلة في علي بن مجاهد العامري كما في جذوة المقتبس (١٧٠) والمطرب لابن دحية (١٣٠) ونفح الطيب (٤/ ٧٥) وغيرها من المصادر الأندلسية. ونسبا في معجم الأدباء (١٠٨٤) وعيون الأنباء (٢/ ٢٥٥) إلى ابن شبل البغدادي الطبيب الفيلسوف (ت ٤٧٤)، وفي البديع لأسامة (٢٢٧) إلى ابن هانئ.
601

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي