[١٣٩ أ] قولكم في السادس عشر: لو كانت النفس جسمًا لوجب ثقلُ البدن بدخولها فيه؛ لأن من شأن الجسم إذا زدتَ عليه جسمًا آخر أن يثقل به.
فهذه شبهة في غاية الثقالة، والمحتجُّ بها أثقَل وأثقَل! وليس كلُّ جسمٍ زِيدَ عليه جسمٌ آخر ثقَّله، فهذه الخشبة تكون ثقيلة، فإذا زِيد عليها جسمُ النار خفَّت جدًّا. وهذا الظرف يكون ثقيلًا، فإذا دخله جسم الهواء خفَّ. وهذا إنما يكون في الأجسام الثِّقال التي تطلب المركزَ والوسطَ بطبعها، وهي تتحرك بالطبع إليه. وأما الأجسام التي تتحرك بطبعها إلى العلوِّ، فلا يعرضُ لها ذلك، بل الأمر فيها بالضدِّ من تلك الأجسام الثقال. بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفَّة.
وقد أخذ هذا المعنى بعضُهم، فقال١:
ثقُلتْ زجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغًاحتى إذا مُلِئَتْ بصِرْف الرَّاح
خَفَّتْ فكادت أن تطير بما حوَتْوكذا الجُسومُ تخِفُّ بالأروَاح
(١) البيتان لإدريس بن اليمان العبدري الأندلسي (ت ٤٥٠) من قصيدة طويلة في علي بن مجاهد العامري كما في جذوة المقتبس (١٧٠) والمطرب لابن دحية (١٣٠) ونفح الطيب (٤/ ٧٥) وغيرها من المصادر الأندلسية. ونسبا في معجم الأدباء (١٠٨٤) وعيون الأنباء (٢/ ٢٥٥) إلى ابن شبل البغدادي الطبيب الفيلسوف (ت ٤٧٤)، وفي البديع لأسامة (٢٢٧) إلى ابن هانئ.
فصل
قولكم في السابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا تخلو منها، من الخفة والثقل، والحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والنعومةِ والخشونة، إلى آخره١ = شبهةٌ فاسدة، وحجة داحضة، فإنه لا يجب اشتراك الأجسام في جميع الكيفيات والصفات. وقد فاوت اللّهُ سبحانه بين صفاتها وكيفياتها وطبائعها٢، فمنها ما يُرى بالبصر ويُلمَس باليد، ومنها ما لا يُرى ولا يُلمَس. ومنها ما له لون، ومنها ما لا لون له. ومنها ما يقبل الحرارة والبرودة، ومنها ما لا يقبله.
على أن للنفس٣ من الكيفيات المختصَّة بها ما لا يشاركُها فيها البدن، ولها خفة وثقل، وحرارة وبرودة، ويبس٤ ولِين بحسبها. وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة، وبدنُه نحيل٥ جدًّا. وتجده في غاية الخفَّة، وبدنُه ثقيل. وتجد نفسًا لينة وادعة، ونفسًا يابسة [١٣٩ ب] قاسية. ومن له حسٌّ٦ سليمٌ يشمُّ رائحةَ بعض النفوس كالجيفة المنتنة، ورائحةَ بعضِها أطيبَ من ريح المسك.
وقد كان رسول الله ﷺ إذا مرَّ في طريق بقيَ أثر رائحته في الطريق،
(١) «آخره» ساقط من (ب، ط، ز).
(٢) (ز، ن): «طباعها».
(٣) في الأصل: «النفس». وكذا في (ب، ط، ق، ن). والمثبت من غيرها.
(٤) (ن): «يبوسة».
(٥) تحرّف في (ب، ط) إلى «ثقيل»، فلما فسد المعنى أثبت ناسخا (ج، ن): «خفيف».