فقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس٢؛ نفس مطمئنة، ونفس لوَّامة، ونفس أمارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه الأخرى. ويحتجُّون على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾[الفجر: ٢٧]، وبقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ١ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾[القيامة: ١، ٢]، وبقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾[يوسف: ٥٣].
والتحقيق: أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات٣، فتسمَّى باعتبار كل صفة باسم. فتسمى «مطمئنة» باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والرضا به، والسكون إليه.
وإن سمةَ محبته وخوفه ورجائه فناؤها [عن] محبةِ غيره وخوفه
(١) (ن): «الثانية والعشرون». وفي (ب): «التاسعة عشر»، ثم ضرب عليها وكتب: «العشرون». ولم يَرد «فصل وأما» في (ن).
(٢) «النفس» بمعنى الروح مؤنثة، وقد وصفها المصنف بالواحدة والمطمئنة وغيرها، ولكن أنث العدد فقال: «ثلاثة» هنا وفي السطر السابق. وفي النسخ المطبوعة: «ثلاث».
(٣) من أول المسألة إلى هنا نقله شارح الطحاوية (٣٨٩ ــ ٣٩٠). وقارن بكلام المصنف في إغاثة اللهفان (١/ ٧٥ وما بعدها).
ورجائه١. فتفنى٢ بمحبته عن حبِّ ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه.
فالطمأنينةُ إلى الله سبحانه كيفيَّة٣ تَرِدُ منه سبحانه [١٤٤ ب] على قلب عبده، تجمعُه عليه، وترُدُّ قلبَه الشاردَ إليه، حتى كأنه جالسٌ بين يديه، يسمع به، ويبصر به، ويتحرك به، ويبطش به. فتسري تلك الطمأنينةُ في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة، فتنجذب روحُه إلى الله، ويلين جلدُه وقلبُه ومفاصلُه إلى خدمته والتقرُّب إليه.
ولا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقية إلا بالله وبذكره، وهو كلامُه الذي أنزله على رسوله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد: ٢٨]. فإنَّ طمأنينةَ القلب سكونُه٤
(١) في (أ، ب، ط، غ): «وإن سميت محبته وخوفه ورجاه منها محبة غيره ...». وفي (ن) بياض في موضعها مع حرف الظاء فوق السطر. وفي (ز): «سمت» مكان «سميت». و«منها» ساقطة من (ب). وفي (ج) تخليط شديد. والظاهر أن في العبارة سقطًا وتحريفًا، وقد أصلحته كما ترى. وفي الطبعة الهندية: «فإنَّ سِمَةَ محبته ... منها قطعُ النظر عن محبة غيره ...». وكذا في نشرة الأستاذ العموش أيضًا دون الإشارة إلى ما في نُسَخه الخطية. ونبَّه الأستاذ بديوي على أن «قطع النظر عن» ساقط من (ب). كأنَّ الزيادة المذكورة واردة في الأصل و(ر). والنسخة الأخيرة بين يديّ، وهي الأصل، وقد خلت كغيرها من هذه الزيادة! والظاهر أن مصحح الطبعة الهندية هو الذي أصلح العبارة على هذا الوجه.
(٢) في النسخ المطبوعة: «فيستغني»، تحريف.
(٣) في (ق، غ، ط، ز): «خفية». وكذا في الأصل غير منقوط. وفي (ن): «منحة»، ولعله إصلاح. وفي (ب، ج): «جميعه». وفي النسخ المطبوعة: «حقيقة». ولعلَّ ما أثبتُّه أقرب.