وإنما يواري عنه شهودَ ذلك سُكْرُ الغفلة والشهوة، فإن للشهوة١ سُكرًا يزيد على سكر الخمر، وكذلك الغضبُ له سكر أعظم من سكر الشراب. ولهذا ترى العاشقَ٢ والغضبان يفعل ما لا يفعله شارب الخمر.
وكذلك يطمئن٣ من قلق الغفلة والإعراض إلى سكون الإقبال على الله وحلاوة ذكره وتعلُّق الروح [١٤٦ أ] بحبه ومعرفته، فلا طمأنينة للروح بدون هذا أبدًا. ولو أنصفَت نفسَها لرأتها٤ إذا فقدت ذلك في غاية الانزعاج والقلق والاضطراب، ولكن تُواريها السَّكرة، فإذا كُشِفَ الغطاء تبيَّن له حقيقة ما كان فيه.
فصل
وهاهنا سرٌّ لطيف يجب التنبيه عليه والتنبُّه له٥، والتوفيقُ له بيد مَن أزِمَّةُ التوفيق بيديه٦، وهو أنَّ الله سبحانه جعل لكل عضوٍ من أعضاء الإنسان كمالًا إن لم يحصل له وإلا٧ فهو في قلق واضطراب وانزعاج،
(١) (أ، ق، غ): «لكل شهوة».
(٢) ما عدا (ب، ج، غ): «الفاسق».
(٣) ما عدا (ط، ج، ز): «يظهر»، تصحيف.
(٤) ما عدا (ب، ج، غ): «لذاتها»، تصحيف.
(٥) (ط): «يجب تبيينه والتنبيه عليه».
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «بيده». وفي (ط): «بين يديه وبيديه».
(٧) كذا في جميع النسخ، ولا يستقيم المعنى إلا بحذف «وإلا». وهو من الأخطاء الشائعة في عهد المؤلف. انظر ما علقت في طريق الهجرتين (٤٥) وقد تعوَّد الناشرون حذفها دون الإشارة إلى ما في أصولهم.
بسبب فقدِ كماله الذي جُعِل له. مثاله: كمال العين بالإبصار، وكمال الأذن بالسمع، وكمال اللسان بالنطق. فإذا عَدِمتْ هذه الأعضاء القوى التي بها كمالُها حصَل الألم والنقص بحسب فوات ذلك.
وجَعَل كمال القلب ونعيمَه وسروره ولذته وابتهاجه في معرفته سبحانه، وإرادته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والشوق إليه، والأنس به. فإذا عَدِمَ القلبُ ذلك كان أشدَّ عذابًا واضطرابًا من العين التي فقدت النور الباصر، ومن اللسان الذي فقدَ قوة الكلام والذوق. ولا سبيلَ له إلى الطمأنينة بوجه من الوجوه، ولو نال من الدنيا وأسبابها ومن العلوم ما نال، إلا بأن يكون الله وحده هو محبوبَه وإلـٰهه ومعبودَه وغايةَ مطلوبه، ويكون هو وحده مستعانَه على تحصيل ذلك. فحقيقة الأمر أنه لا طمأنينة له بدون التحقُّق١ بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: ٥].
وأقوالُ المفسرين في «المطمئنة» ترجع إلى ذلك٢.
قال ابن عباس: المطمئنة: المصدِّقة.
وقال قتادة: هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله.
وقال الحسن: المصدِّقة٣ بما قال الله تعالى.
(١) ما عدا (ج، ز): «التحقيق».
(٢) انظر الأقوال الآتية بترتيبها في تفسير الطبري (٢٤/ ٣٩٣ ــ ٣٩٤). وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب أيضًا في إغاثة اللهفان (١/ ٧٦) إلا قول مجاهد فإنه لم يُفصِّل رواياته فيه كتفصيلها هنا.