وقال مجاهد: هي النفس التي أيقنَتْ بأن الله ربُّها، المسلِّمةُ لأمره فيما هو فاعل بها١.
وروى منصور عنه٢ قال: النفس التي أيقنت أن الله ربُّها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته.
وقال ابن أبي نَجيح عنه: النفس المطمئنة المخبِتة إلى الله.
وقال أيضًا: هي التي أيقنت بلقاء الله٣.
فكلام السلف٤ في «المطمئنة» يدور [١٤٦ ب] على هذين الأصلين: طمأنينة العلم والإيمان، وطمأنينة الإرادة والعمل.
فصل
فإذا اطمأنت من الشكِّ إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكَيْس، ومن صَولة العُجب إلى ذلَّة الإخبات، ومن التِّيه إلى التواضع، ومن الفتور إلى العمل= فقد باشرتْ روحَ الطمأنينة.
وأصل ذلك كلِّه ومنشؤه من اليقظة، فهي أولُ مفاتيح الخير، فإن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزود لمعاده بمنزلة النائم، بل أسوأُ حالًا منه؟ فإن
(١) قال الطبري: «وقال آخرون: بل معنى ذلك: الموقنة بأن الله ربُّها ... بها». فهذه ترجمة الطبري لقول الآخرين لا نص قول مجاهد الذي أورده بالألفاظ الآتية.
(٢) بعده في (ب، ج): «يعني مجاهدًا».
(٣) هذا القول أيضًا رواه منصور عن مجاهد.
(٤) (ب، ج، ق): «وكلام السلف».
الغافل١ يعلمُ وعد الله ووعيدَه وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامُه من الحقوق، لكن يحجبُه عن حقيقة الإدراك ويُقعده عن الاستدراك سِنةُ القلب، وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده، وركد وأخلد٢ إلى نوازع الشهوات، فاشتدَّ إخلاده وركوده. وانغمس في غمار الشهوات، واستولت عليه العادات ومخالطةُ أهل البطالات، ورضي بالتشبُّه بأهل إضاعة الأوقات. فهو في رقاده مع النائمين، وفي سَكْرته مع المخمورين. فمتى انكشفت عن قلبه سِنَةُ هذه الغفلة بزجرةٍ من زواجر الحق في قلبه، استجاب فيها لواعظِ الله في قلب عبده المؤمن، أو هِمَّة عليَّةٍ٣ أثارها مِعولُ الفكر في المحلِّ القابل، فضرب بمعول فكره، وكبَّر تكبيرةً أضاءت له منها قصورُ الجنة، فقال٤:
ألا يا نفسُ ويحكِ ساعدينيبسعيٍ منكِ في ظُلَم الليالي
لعلَّكِ في القيامة أن تفوزيبطِيبِ العيشِ في تلك العلالي
فأنارت٥ له تلك الفكرةُ نورًا رأى في ضوئه ما خُلِق له وما سيلقاه بين
(١) في الأصل: «العاقل». وكذا في (ق، غ، ج). وفي (ب): «العالم».
(٢) رسمها في الأصل: «ركد خلده». ونحوه في (ق، غ، ط). وفي (ز): «ركد مخلدًا». وفي (ب، ج) حذف «وركد». والمثبت من (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.