الغافل١ يعلمُ وعد الله ووعيدَه وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامُه من الحقوق، لكن يحجبُه عن حقيقة الإدراك ويُقعده عن الاستدراك سِنةُ القلب، وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده، وركد وأخلد٢ إلى نوازع الشهوات، فاشتدَّ إخلاده وركوده. وانغمس في غمار الشهوات، واستولت عليه العادات ومخالطةُ أهل البطالات، ورضي بالتشبُّه بأهل إضاعة الأوقات. فهو في رقاده مع النائمين، وفي سَكْرته مع المخمورين. فمتى انكشفت عن قلبه سِنَةُ هذه الغفلة بزجرةٍ من زواجر الحق في قلبه، استجاب فيها لواعظِ الله في قلب عبده المؤمن، أو هِمَّة عليَّةٍ٣ أثارها مِعولُ الفكر في المحلِّ القابل، فضرب بمعول فكره، وكبَّر تكبيرةً أضاءت له منها قصورُ الجنة، فقال٤:
ألا يا نفسُ ويحكِ ساعدينيبسعيٍ منكِ في ظُلَم الليالي
لعلَّكِ في القيامة أن تفوزيبطِيبِ العيشِ في تلك العلالي
فأنارت٥ له تلك الفكرةُ نورًا رأى في ضوئه ما خُلِق له وما سيلقاه بين
(١) في الأصل: «العاقل». وكذا في (ق، غ، ج). وفي (ب): «العالم».
(٢) رسمها في الأصل: «ركد خلده». ونحوه في (ق، غ، ط). وفي (ز): «ركد مخلدًا». وفي (ب، ج) حذف «وركد». والمثبت من (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) البيتان لرجل من بني سعد كما في التهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا (١٤١). وانظر: صفة الصفوة (٤/ ٥٩) وتذكرة القرطبي (٩٦٧).
(٥) ما عدا (ز): «فأثارت». وكذا في النسخ المطبوعة. والأصل غير منقوط.
يديه من حين الموتِ إلى دخول دار القرار. ورأى سرعةَ انقضاء الدنيا، وعَدَم وفائها لبنيها، وقتلَها لعُشَّاقها وفعلَها بهم أنواع المَثُلات. فنهض في ذلك الضوء على ساقِ [١٤٧ أ] عزمه قائلًا: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾[الزمر: ٥٦]. فاستقبل بقيةَ عُمره التي لا قيمة لها مستدركًا بها ما فات، محييًا بها ما أمات، مستقيلًا١ بها ما تقدَّم له من العثَرات، منتهزًا فرصةَ الإمكان التي إن فاتت فاته جميعُ الخيرات.
ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفود٢ نعمة ربِّه عليه من حين استقرَّ في الرحِم إلى وقته، وهو يتقلب فيها ظاهرًا وباطنًا ليلًا ونهارًا، يقظةً ومنامًا، سرًّا وعلانيةً. فلو اجتهد على إحصاء أنواعها لما قَدَر، ويكفي أنَّ أدناها نعمةُ النفَس، ولله عليه في كلِّ يوم أربعة وعشرون ألفَ نعمة، فما ظنُّك بغيرها؟٣.
ثم يرى في ضوء ذلك النورِ أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها، عاجزٌ عن أداء حقِّها، وأنَّ المنعِم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميعَ أعماله حقُّ نعمةٍ واحدة منها، فيتيقَّن٤ حينئذ أنه لا مطمعَ له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله٥.
(١) في النسخ المطبوعة ما عدا الطبعة الهندية: «مستقبلًا»، تصحيف.
(٢) في (ن): «وقوَّة»، تحريف. وفي غيرهما جميعًا ما أثبتنا، يعني الورود والقدوم. وفي نشرتي العموش وبديوي: «وفور»، تحريف.
(٣) انظر: التبيان في أيمان القرآن (٤٦٤، ٦٢١)، وطريق الهجرتين (١١٤)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٥٤).