وهو موجِب سيئات الأعمال١. فإن خلَّى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرِّها وما تقتضيه من سيئات الأعمال، وإن وفَّقه وأعانه نجَّاه من ذلك كلِّه. فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وقد امتحن الله سبحانه الإنسان بهاتين النفسين: الأمارة، واللوَّامة؛ كما أكرمه بالمطمئنة. فهي نفسٌ واحدة تكون أمَّارة، ثم لوامة، ثم مطمئنة. وهي غاية كمالها وصلاحها.
وأيَّد المطمئنة بجنود عديدة. فجعل الملَكَ قرينَها وصاحبَها الذي يليها ويسدِّدها، ويقذف فيها الحقَّ، ويُرغِّبها فيه، ويُريها حسن صورته، ويزجرها عن الباطل، ويُزهِّدها فيه، ويُريها قُبحَ صورته. وأمدَّها بما علَّمها من القرآن والأذكار وأعمال البر، وجعل وُفودَ الخيرات وأمدادَ التوفيق تنتابها٢ وتصلُ إليها من كل ناحية. وكلَّما تلقَّتها بالقبول، والشكرِ، والحمدِ لله، ورؤيةِ أوَّلِيَّته في ذلك كله، ازدادَ مَدَدُها، فتقوى على محاربة الأمَّارة. فمِن جندها ــ وهو سلطانُ عساكرها ومَلِكُها ــ الإيمان واليقين. فالجيوش الإسلامية كلُّها [١٤٩ أ] تحت لوائه ناظرةٌ إليه. إن ثبت ثبتَتْ، وإن انهزم ولَّت على أدبارها.
(١) انظر شرح الحديث في: طريق الهجرتين (٢٠٠ ــ ٢٠١).
(٢) الأصل غير منقوط، وقد تصحفت في النسخ إلى «بثباتها»، و«يثبتانها»، و«بنياتها». وقد أسقطها ناسخ (ن).
ثم أمراءُ هذا الجيش ومقدَّمو عساكره: شُعَبُ الإيمانِ المتعلِّقةُ بالجوارح على اختلاف أنواعها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصيحةِ الخلق، والإحسان إليهم بأنواع الإحسان؛ وشُعَبُه الباطنةُ المتعلِّقةُ بالقلب، كالإخلاص والتوكلُّ والإنابة والتوبة والمراقبة والصبر والحِلم والتواضع والمسكنة، وامتلاءِ القلب من محبة الله ورسوله، وتعظيمِ أوامر الله وحقوقه، والغيرةِ لله وفي الله، والشجاعة والعفَّة والصدق والشفقة والرحمة.
ومِلاكُ ذلك كلِّه الإخلاص والصدق. فلا يتعنَّى١ الصادق المخلص، فقد أقيم على الصراط المستقيم، فيُسَارُ به وهو راقد. ولا يتهَنَّى٢ من حُرِم الصدق والإخلاص، فقد قُطِعت عليه الطريقُ، واستهوته الشياطين في الأرض حيرانَ، فإن شاء فليعمل، وإن شاء فليترك، فلا يزيده عمله من الله إلا بعدًا.
وبالجملة فما كان لله وبالله، فهو من جند النفس المطمئنة.
وأما النفسُ الأمَّارة فجعل الشيطان قرينَها وصاحبَها الذي يليها، فهو يعِدُها ويمنِّيها، ويقذف فيها الباطل، ويأمرها بالسوء ويزيِّنه لها، ويطيل لها٣ في الأمل، ويُريها الباطلَ في صورة تقبلها وتستحسنها، ويُمِدُّها بأنواع
(١) من (ب، ج، غ). وفي غيرها: «يتعين»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «يتعب»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٢) (ط): «يتعين». وفي غيرها جميعًا: «يتعنَّى»، وكلاهما تصحيف. وفي النسخ المطبوعة هنا أيضًا: «يتعب»، والسياق يقتضي ضده. ويتهنَّى أصله بالهمز.