الإرادات وتظهر على الأركان من النَّفسين: الأمَّارة والمطمئنة، فيتباين الفعلان في الباطن، ويشتبهان في الظاهر.
ولذلك أمثلة كثيرة. منها: المداراة والمداهنة. فالأول من المطمئنة، والثاني من الأمَّارة. وخشوعُ الإيمان وخشوع النِّفاق، وشرف النفس والتِّيه، والحميَّة والجفاء، والتواضع [١٥١ ب] والمهانة، والقوة في أمر الله والعلو في الأرض، والحميَّة لله والغضب له والحميَّة للنفس والغضب لها، والجودُ والسَّرَف، والمهابة والكبر، والصيانةُ والتكبر، والشجاعة والجراءة، والحزمُ والجبن، والاقتصادُ والشُّح، والاحتراز وسوءُ الظنِّ، والفِراسة والظن، والنصيحة والغيبة، والهدية والرِّشوة، والصبرُ والقسوة، والعفو والذُّل، وسلامة القلب والبَلَه والغفلة، والثقة والغِرَّة، والرجاءُ والتمني، والتحدُّث بنعم الله والفخر بها، وفرحُ القلب وفرحُ النفس، ورِقَّة القلب والجزع، والمَوْجِدةُ والحقد، والمنافسةُ والحسد، وحبُّ الرِّياسة وحب الإمامة والدعوة إلى الله، والحبُّ لله والحب مع الله، والتوكلُ والعجز، والاحتياط والوَسْوسة، وإلهامُ الملك وإلهام الشيطان، والأَناةُ والتسويف، والاقتصاد والتقصيرُ، والاجتهاد والغُلوُّ، والنصيحة والتأنيب، والمبادرة والعَجَلة، والإخبار بالحال عند الحاجةِ والشكوى١.
فالشيء الواحد تكون صورته واحدةً، وهو منقسم إلى محمود ومذموم، كالفرح والحزن والأسف والغضب والغيرة والخُيَلاء والطمع والتجمُّل
(١) سيأتي الكلام على هذه الأمثلة مفصَّلًا إلا «الأناة والتسويف». وهذا باب الفروق قد لخَّصه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀، وعلَّق على بعضها. انظر مقدمة التحقيق.
وفي الحديث: «إن من الغَيرة ما يحبُّها الله، ومنها ما يكرهه. فالغيرةُ التي يحبها: الغيرةُ في ريبة. والتي يكرهها: الغيرةُ في غير ريبة. وإن من الخُيَلاء ما يحبُّه الله، ومنها ما يكرهه. فالتي يحبُّ: الخيلاء في الحرب»٣.
وفي الصحيح أيضًا: «لا حسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلَكته في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الحكمةَ، فهو يقضي بها ويعلِّمها»٤.
وفي الصحيح أيضًا: «إن الله رفيقٌ [١٥٢ أ] يحبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف»٥.
وفيه أيضًا: «من أُعطي حظَّه من الرفق فقد أُعطِيَ حظَّه من الخير»٦.
(١) (ن): «الجبن»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «التحسر».
(٢) (ب، ج): «الصلف».
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٢٥٥٨)، والإمام أحمد (٢٣٧٤٧)، والدارمي (٢٢٢٦)، وابن حبان (٢٩٥)، والبيهقي (٧/ ٣٠٨) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن ابن جابر بن عتيك الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ (فذكره). وفيه ابن جابر بن عتيك، وهو مجهول. والحديث حسَّنه الألباني في الشواهد. انظر: إرواء الغليل (١١٩٩). (قالمي).
(٤) أخرجه البخاري (٧٣) ومسلم (٨١٦) من حديث عبد الله بن مسعود وغيره.
(٥) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة.
(٦) قول المصنف ﵀: «وفيه أيضًا» يعني في الصحيح، ولكن ليس في الصحيحين ولا أحدهما حديث بهذا اللفظ، وقريب منه حديث جرير بن عبد الله ﵁ في صحيح مسلم (٢٥٩٢) بلفظ: «من يُحرم الرِّفق يُحرم الخير». وأما اللفظ الذي ساقه المصنف فهو ما أخرجه الترمذي (٢٠١٣)، والإمام أحمد (٢٧٥٥٣)، والحميدي (٣٩٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٤) وغيرهم من حديث أبي الدرداء. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». كذا قال! وفي سنده يعلى بن مملك تفرد عنه عبد الله بن أبي مُليكة وقال فيه النسائي: «ليس بذاك المشهور». السنن الكبرى (١/ ٤٣٢). لكن له شاهد صحيح من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «إنه من أُعطي حظّه من الرّفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ...» أخرجه الإمام أحمد (٢٥٢٥٩) وأبو يعلى (٤٥٣٠). (قالمي).