الروح

يُدِرُّه الغضبُ١، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتقمَ لله٢.

وروى [١٥٤ ب] زيد بن أسلم عن أبيه أن موسى بن عمران ﷺ كان إذا غضِب اشتعلَتْ قَلَنْسوتُه نارًا٣.

وهذا بخلاف الحميَّة للنفس، فإنها حرارة تهيج من نفسه لفَواتِ حظها أو طلبه، فإن الفتنةَ في النفس، والفتنة هي: الحريق، والنفس متلظِّية بنار

  1. (١) أخرجه الترمذي في الشمائل (٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٢٢)، وابن حبان في الثقات (٢/ ١٤٦)، والطبراني في الكبير (٤١٤) ج ٢٢، والحاكم (٣/ ٦٤٠) ــ ولم يسق لفظه ــ والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٦٢)، وفي دلائل النبوة (١/ ٢١٤، ٢٨٦) كلهم من طريق جميع بن عمير، عن رجل من بني تميم من ولد أبي هالة يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة ــ وكان وصَّافًا ــ عن حلية النبي ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي شيئًا منها أتعلق به، فقال (فذكر حديثًا طويلًا) وفيه: «أزجّ الحواجب، سوابغَ في غير قَرن، بينهما عِرْق يدرُّه الغضب». وإسناده ضعيف مسلسل بالعلل: جُميع بن عمير ــ ويقال: ابن عمر ــ ابن عبد الرحمن العجلي، ضعيف رافضي كما في التقريب، وشيخه مجهول، كما في التقريب أيضًا، وابن لأبي هالة مبهم لا يعرف. (قالمي).
    وقد فسَّر أبو عبيد الحديث، فقال: «إذا غضب درَّ العِرق الذي بين الحاجبين. دُرورُه: غِلَظه ونتوؤه وامتلاؤه». المعجم الكبير للطبراني (١٧٨٦٨). وانظر: النهاية (٢/ ١١٢). (الإصلاحي).
  2. (٢) ذكره بالمعنى وهو في الصحيحين، البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧) من حديث عائشة ﵂، ولفظه: «وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حُرمة الله، فينتقم لله بها». (قالمي).
  3. (٣) في الدر المنثور (٦/ ٥٩٤) أن أبا الشيخ أخرجه عن زيد بن أسلم. وذكره البيهقي في الأسماء والصفات (٩٧٤) والبغوي في شرح السنة (١٤٩١).
660

الشهوة والغضب. فإنما هما حرارتان تظهران على الأركان: حرارةٌ من قِبل النفس المطمئنة أثارَها تعظيمُ حقِّ الله، وحرارةٌ من قِبل النفس الأمَّارة أثارَها استشعارُها فوتَ الحظ١.

والفرقُ بين الجُود والسَّرَف: أنَّ الجوادَ حكيمٌ يضع العطاءَ مواضعَه، والمسرفُ مبذِّر، قد يُصادف عطاؤه موضعَه، وكثيرًا لا يصادفه.

وإيضاحُ ذلك أن الله سبحانه بحكمته جعل في المال حقوقًا، وهي نوعان: حقوق موظفة وحقوق ثابتة٢. فالحقوق الموظفة كالزكاة والنفقات الواجبة على من تلزمه نفقتُه. والثابتة: كحقِّ الضَّيف، ومكافأة المُهدي، وما وقى به عِرْضَه ونحو ذلك. فالجوادُ يتوخَّى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال، طَيِّبةً بذلك نفسُه، راضيةً مؤمِّلةً للخُلف في الدنيا والثواب في العُقبى. فهو يُخرِج ذلك بسماحة قلب، وسخاوة نفس، وانشراح صدرٍ، بخلاف المبذِّر، فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافًا، لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة، وإن اتَّفقتْ له.

فالأول بمنزلة من بذَرَ حبَّةً في أرضٍ تُنبِتُ، وتوخَّى ببذره مواضع المُغَلِّ٣ والإنبات. فهذا لا يُعَدُّ مبذِّرًا ولا سفيهًا. والثاني بمنزلة من بذَرَ حبةً في سِباخ وعَزاز٤ من الأرض، وإن اتفق بذرُه في محلِّ النبات بذَره

  1. (١) ما عدا الأصل: «استشعار فوت الحظ».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «ثانية»، تصحيف.
  3. (٣) من أغلَّت الضيعةُ: أعطت الغَلَّة.
  4. (٤) السِّباخ جمع السبْخة، وهي أرض ذات ملح ونَزٍّ لا تنبت شيئًا. والعَزاز: المكان الصلب السريع السيل.
661

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي