الروح

ﷺ: «شَرُّ ما في المرء جبنٌ خالعٌ وشحٌّ هالعٌ»١.

فسمَّى الجبنَ خالعًا لأنه يخلع القلبَ عن مكانه لانتفاخ السَّحْر، وهو: الرئة، كما قال أبو جهل لعُتبة بن ربيعة يومَ بدر: انتفخ سَحْرُك٢.

فإذا زال القلبُ عن مكانه ضاع تدبيرُ العقل، فظهر الفساد على الجوارح، فوضعت الأمورَ على غير مواضعها. فالشجاعة حرارةُ القلب، وغضبه، وقيامه، وانتصابه، وثباته٣. فإذا رأته الأعضاء كذلك أعانته، فإنها خدمٌ له وجنود، كما أنه إذا ولَّى ولَّتْ سائرُ جنوده.

وأما الجراءة، فهي إقدامٌ سببه قلةُ المبالاة وعدم النظر في العاقبة، بل تقدُّم النفس في غير موضع الإقدام٤ مُعرِضةً عن ملاحظة المعارض٥ فإما عليها وإما لها. والله أعلم.

  1. (١) أخرجه الإمام أحمد (٨٠١٠)، وأبو داود (٢٥١١)، وابن المبارك في الجهاد (١١١)، وابن أبي شيبة (٢٦٦٠٩)، وابن حبان (٣٢٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
    وعزاه الحافظ العراقي في المغني (٣٣٢٤) لأبي داود وقال: «سنده جيد». وانظر: السلسلة الصحيحة (٥٦٠). وأما قول المصنف ﵀: «في حديث عمرو بن العاص» فلعله سبق قلم. والله أعلم. (قالمي).
  2. (٢) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١١٢).
  3. (٣) «وثباته» ساقط من (ن، ز).
  4. (٤) «سببه ... الإقدام» ساقط من الأصل.
  5. (٥) ما عدا (ب، ج، ز): «العارض».
665

[١٥٦ أ] فصل

وأما الفرقُ بين الحزم والجبن: فالحازم هو الذي قد جمع عليه همَّه وإرادته وعقله، ووزن الأمورَ بعضها ببعض، فأعدَّ لكلٍّ منها قِرْنه١. ولفظةُ الحزم تدل على القوة والإجماع٢، ومنه: حُزمة الحطب، فحازمُ الرأي هو الذي اجتمعت له شؤون رأيه، وعرَف منها خيرَ الخيرين وشرَّ الشرين، فأحجمَ في موضع الإحجام رأيًا وعقلًا، لا جُبنًا ولا ضَعفًا٣.

كعاجزِ الرأيِ مِضياعٌ لِفرصتِهحتى إذا فات أمرٌ عاتَبَ القدَرا٤

والفرق بين الاقتصاد والشُّحِّ: أنَّ الاقتصاد خُلقٌ محمود يتولَّد من خلقين: عدل وحكمة. فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضعُ كل واحد منهما موضعَه الذي يليق به، فيتولَّد من بينهما الاقتصاد، وهو وسطٌ بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا

  1. (١) (ز، ن): «قرينه».
  2. (٢) (ز، ن، غ): «الاجتماع». وأصل المعنى عند ابن فارس: شدّ الشيء وجمعه. مقاييس اللغة (٢/ ٥٣).
  3. (٣) بعده في (ب، ج) زيادة: «كما قال».
  4. (٤) رواية البيت: «وعاجزُ الرأي»، ولكن المؤلف ضمَّنه كلامه، فغيَّر. وقد تمثَّل به في طريق الهجرتين (١٣٥) والفوائد (٢٦٤). والبيت ليحيى بن زياد في معجم الشعراء للمرزباني (٤٨٦)، وللخليل بن أحمد في المنتخل (١/ ٤٦٣)، ولم ينسبه الجاحظ في البيان (٢/ ٣٥٠).
666

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي