الروح

من الله، فهو ينظر بنور الله الذي جعله في قلبه. وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقُوا فِراسةَ المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله»١.

وهذه الفِراسةُ نشأتْ له من قُربه من الله، فإن القلب إذا قَرُبَ من الله انقطعت عنه معارضاتُ السوء المانعةُ من معرفة الحقِّ وإدراكِه، وكان تَلقِّيه من مشكاةٍ قريبةٍ من الله بحسب قُربه منه، وأضاء له النور بقدر قُربه منه، فرأى في [١٥٧ أ] ذلك النور ما لم يَره البعيد المحجوب، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﷿ أنه قال: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل٢ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمعه به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي»٣.

  1. (١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) من طريق عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد، وزاد في آخره: «ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ وضعَّفه بقوله: «هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه». وسبب ضعفه هو عطية بن سعد العوفي.
    ومن هذا الوجه أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ١٢٩)، ثم أخرجه من وجه آخر عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يقال: «اتقوا فراسة المؤمن ...»، ثم قال: «وهذا أولى» أي أنه حكمة وليس بحديث. ويروى عن صحابة آخرين ولم يصح منها شيء. راجع السلسلة الضعيفة (١٨٢١). (قالمي).
  2. (٢) ما عدا (أ، ق، غ): «بمثل أداء».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) إلا قوله: «فبي يسمع» إلى آخره. وقد عزاه المؤلف إلى البخاري مع هذه الزيادة في الداء والدواء (٤٣٠) وروضة المحبين (٥٥٤)، والمدارج (٢/ ٤١٣) وقبله شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: الجواب الصحيح (٥/ ١٠٩) وجامع الرسائل (٢/ ٩٥، ٢٣٧) وجامع المسائل (١/ ٦٨، ٨٦، ٩٨)، (٢/ ٦١) ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٠، ٣٧١، ٤٦٣) وغيرها؛ غير أنه صرّح في بعض المواضع بأن هذه الرواية وردت في غير الصحيح. انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٠) والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٤). وقد ذكر هذه الرواية الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١/ ٢١٢) دون إسناد. وانظر: فتح الباري (١١/ ٣٤٤).
669

فأخبر سبحانه أنَّ تقرُّبَ عبِده منه يفيدهُ محبته له، فإذا أحبَّه قرُب من سمعه وبصره ويده ورجله، فسمع به، وأبصر به، وبطَش به، ومشى به. فصار قلبُه كالمرآة الصافية تتبدَّى١ فيها صوَرُ الحقائق على ما هي عليه، فلا تكاد تُخطئ له فراسة. فإن العبد إذا أبصر بالله أبصرَ الأمرَ على ما هو عليه، وإذا٢ سمع بالله سمعه على ما هو عليه.

وليس هذا من علمِ الغيب، بل علَّامُ الغيوب قذَفَ الحقَّ في قلبٍ قريبٍ منه، مُستنيرٍ٣ بنوره، غيرِ مشغولٍ بنفوس٤ الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصولِ صور٥ الحقائق فيه. وإذا٦ غلب على القلب النورُ فاضَ على الأركان، وبادرَ من القلب إلى العين، فيكشف بعين بصره بحسب ذلك النور.

  1. (١) هذا في الأصل. وفي غيره: «تبدو».
  2. (٢) (ق، غ): «فإذا». ورسمها في الأصل محتمل.
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «مستبشر»، تصحيف.
  4. (٤) (ب، ج): «بنقوش».
  5. (٥) (أ، غ): «صورة».
  6. (٦) (ب، ط، ج): «فإذا».
670

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي