ورأى عمرُ ساريةَ بنهاوند [١٥٧ ب] من أرض فارس هو وعساكر المسلمين، وهم يقاتلون عدوَّهم، فناداه: يا ساريةُ، الجبل١.
ودخل عليه نفرٌ من مَذحِج فيهم الأشتَر النخعي، فصعَّد فيه البصرَ وصوَّبه، وقال: «أيهم هذا؟» قالوا: مالك بن الحارث. فقال: «ما له، قاتلَه الله! إني لأرى للمسلمين منه يومًا عصيبًا»٢.
ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال: هذا سيدُ الفتيان إن لم يُحدِث٣.
وقيل: إن الشافعيَّ ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام، فدخل رجلٌ، فقال محمد: أتفرَّس أنه نجار، وقال٤ الشافعي: أتفرَّس أنه حداد. فسألاه، فقال: كنتُ حدَّادًا، وأنا اليوم أنجُر٥.
ودخل أبو الحسن البُوشَنْجي والحسن الحدَّاد على أبي القاسم المنادي يعودانه، فاشتريا في طريقهما بنصفِ درهم تفاحًا نسيئةً، فلما دخلا عليه قال: ما هذه الظُّلمة؟ فخرجا، وقالا: ما عملنا٦؟ لعل هذا من قِبَل ثمن
(١) الرياض النضرة (٢/ ١١ ــ ١٢). وانظر: مناقب عمر لابن الجوزي (١٦٣ ــ ١٦٤) والإصابة (٣/ ٨ ــ ٩).
(٢) الرياض النضرة (٢/ ١٠) عن عبد الله بن مسلمة.
(٣) تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٨) ولفظه: هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدث.
(٤) (ق، ط، ز): «فقال».
(٥) (ط، ج): «نجار». والخبر في الرسالة القشيرية (٣/ ٣٨٧). وهي مصدر المصنف في الأخبار التالية أيضًا.
(٦) هذا في (ق). وكذا كان في الأصل فغيَّره بعضهم إلى «علمنا» كما في النسخ الأخرى الخطية والمطبوعة. وفي الرسالة القشيرية: «ماذا فعلنا؟».
التفاح، فأعطيا الثمنَ، ثم عادا١ إليه. ووقع بصرُه عليهما فقال: يمكن الإنسان أن يخرجَ من الظُّلمة٢ بهذه السرعة؟ أخبراني عن شأنكما، فأخبراه بالقصة، فقال: نعم، كان كل واحدٍ منكما يعتمد على صاحبه في إعطاء الثمن٣، والرجل مُستحٍ منكما في التقاضي٤.
وكان بين أبي زكريا النَّخْشَبي وبين امرأةٍ سببٌ قبل توبته، فكان يومًا واقفًا على رأس أبي عثمان الحِيري، فتفكَّر في شأنها. فرفع أبو عثمان إليه رأسه، وقال: ألا تستحي٥.
وكان شاه الكِرماني جيِّدَ الفِراسة لا تُخطئ فراسته. وكان يقول: من غضَّ بصره عن المحارم، وأمسكَ نفسَه عن الشهوات، وعمَرَ باطنَه بدوام المراقبة، وظاهِرَه باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال= لم تُخطئ فراسته٦.
وكان شابٌّ يصحب الجنيدَ، يتكلَّم على الخواطر. [١٥٨ أ] فذُكر للجنيد، فقال له: أيشٍ هذا الذي ذُكِر لي عنك؟ فقال له: اعتقِدْ شيئًا، فقال له الجنيد: اعتقدتُ. فقال الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا. فقال الجنيدُ: لا. فقال: اعتقِد
(١) كأن في الأصل و(ق): «عمدا». والمثبت موافق لمصدر الخبر.
(٢) في الأصل: «هذه الظلمة». ولعله سهو. وكذا في (غ).
(٣) (ط): «إعطاء الرجل ثمنه».
(٤) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٨٧ ــ ٣٨٨).
(٥) المصدر السابق (٢/ ٣٨٨).
(٦) المصدر السابق (٢/ ٣٨٨ ــ ٣٨٩). وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٤٨) ومدارج السالكين (٢/ ٤٨٤).