وأما الفخر بالنعم، فهو أن يستطيل بها على الناس، ويُريهم أنه أعزُّ منهم وأكبر، فيركبُ أعناقهم، ويستعبدُ قلوبهم ويستميلُها إليه بالتعظيم والخدمة. قال النعمان بن بشير: إنَّ للشيطان مصاليَ١ وفخوخًا. وإنَّ من مصاليه وفخوخهِ البطشَ بنعم الله، والكبرَ على عباد الله، والفخرَ بعطيَّةِ الله، والهونَ٢ في غير ذات الله٣.
فصل
والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر، فإنَّ الفرح بالله ومعرفته ومحبته وكلامه من القلب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾[الرعد: ٣٦]. فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي، فأولياء الله وأتباعُ رسوله أحقُّ بالفرح به.
(١) جمع مِصْلاة. قال أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٣٩٦): هي شبيه بالشرَك ينصب للطير وغيرها.
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي مصادر التخريج: «واتباع الهوى».
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٥٣)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٦٩). وانظر: السلسلة الضعيفة (٢٤٦٣).
قال أبو سعيد الخُدريُّ: فضلُ الله: القرآن. ورحمتُه: أن جعلكم من أهله١.
وقال هلال بن يَسَاف: فضلُ الله ورحمته: الإسلامُ الذي هداكم إليه، والقرآنُ الذي علَّمكم، وهو خيرٌ من الذهب والفضة الذي تجمعون٢.
وقال ابن عباس والحسن وقتادة [١٦٤ ب] وجمهور المفسرين: فضل الله الإسلام. ورحمته القرآن٣.
فهذا فرحُ القلب، وهو من الإيمان ويثابُ عليه العبد، فإن فرحَه به يدل على رضاه به، بل هو فوق الرِّضا. فالفرحُ بذلك على قدر محبته، فإنَّ الفرح إنما يكون بالظفر بالمحبوب، وعلى قدر محبته يفرح بحصوله له. فالفرحُ بالله وأسمائه وصفاته ورسوله وسنَّته وكلامه: محضُ الإيمان وصَفوُه ولبُّه، وله عبودية عجيبة وأثر في القلب لا يعبَّر عنه.
فابتهاجُ القلب وسرورُه وفرحُه بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ورسوله ولقائه أفضلُ ما يُعطاه، بل هو أجلُّ عطاياه. والفرحُ في الآخرة بالله ولقائه بحسَب الفرح به ومحبته في الدنيا. فالفرحُ بالوصول إلى المحبوب يكون على حَسَب قوة المحبة وضعفها. فهذا شأن فرح القلب.
وله فرحٌ آخر، وهو فرحُه بما منَّ الله به عليه من معاملته والإخلاص له والتوكُّل عليه والثقة به وخوفه ورجائه. وكلما تمكَّن في ذلك قوِيَ فرحُه وابتهاجُه.