الروح

وبعد ذلك فرحٌ آخر لا يُقدَّر ولا يُعبَّر عنه، تتلاشى هذه الأفراح كلُّها عنده، وإنما يكون لأهل السنَّة المصَدِّقين برؤية وجه ربهم ﵎ من فوقهم، وسلامه عليهم، وتكليمه إياهم ومحاضرته لهم١:

وليست هذه الفرَحاتُ إلَّالذي التَّرَحاتِ في دار الرزايا
فشمِّر ما استطعت الساقَ واجهَدْلعلَّكَ أن تفوزَ بذي العطايا
وصُمْ عن لذَّة حُشِيَتْ بلاءًلِلذَّاتٍ خلَصْن من البلايا
ودَعْ أمنيَّةً إن لم تَنَلْهاتعذَّبْ أو تُنَلْ كانت منايا٢
ولا تَستَبْطِ وعدًا من رسولٍأتى بالحقِّ من ربِّ البرايا
فهذا الوعدُ أدنى من نعيمٍمضى بالأمس لو وُفِّقْتَ رَايا

فصل

والفرق بين رِقَّة القلب والجزَع: أنَّ الجزَع ضعفٌ في النفس وخوفٌ٣

  1. (١) في (ز، ن): «محاضرتهم له»، وهو غلط. والمصنف يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي (٢٥٤٩) وابن ماجه (٤٣٣٦) عن أبي هريرة. وفيه: «ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرةً حتى يقول: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟». انظر الحديث وكلام المصنف عليه في حادي الأرواح (٥٧١ ــ ٥٧٣) وتخريج محققه له (١٧٧). وانظر: الكافية الشافية (١٠٢١).
    وفي (غ) زيادة بعده: «وبهذا قال الشاعر». وفي (ب) مكانه: «كما قال». ولم أقف على الأبيات، ولعلها للمصنف ﵀.
  2. (٢) في الأصل: «تعدت» مكان «تعذَّب». وكذا في (غ). وفي (ق) لم ينقط. والمثبت من غيرها.
  3. (٣) (ب، ج): «خور».
698

في القلب، يمدُّه شدة الطمع والحرص، ويتولَّد من ضعف الإيمان بالقدر؛ وإلا فمتى عُلِم أن المقدَّر١ كائنٌ ولابدَّ كان الجزع عناءً محضًا ومصيبة ثانية. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ٢٢ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]. فمتى آمن العبدُ بالقدر، وعلم أنَّ المصيبة مقدَّرةٌ في الحاصل والغائب؛ لم يجزع، ولم يفرح.

ولا ينافي هذا رقَّةَ القلب، فإنها ناشئةٌ من صفة الرحمة التي هي كمال. والله إنما يرحم من عباده الرحماءَ٢. وقد كان رسول الله ﷺ أرقَّ الناس قلبًا، وأبعدَهم من [١٦٦ أ] الجزع. فرقَّةُ القلب رحمة ورأفة، وجزَعُه مرض وضعف.

فالجزع حال قلبٍ مريضٍ بالدنيا، قد غشِيَه دخانُ النفس الأمَّارة، فأخذ بأنفاسه، وضيَّق عليه مسالكَ الآخرة، وصار في سجن الهوى والنفس، وهو سجنٌ ضيِّق الأرجاء مظلمُ المسالك؛ فلانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلالِه= رَقَّ، وصارت فيه الرأفةُ والرحمة. فتراه رحيمًا رقيق القلب بكلِّ ذي قُربى ومسلمٍ، يرحم النملةَ في جُحرها، والطيرَ في وكرها، فضلًا عن بني جنسه. فهذا أقربُ القلوب من الله تعالى.

  1. (١) (ز، ن): «المقدور». (ب، ج، ط): «القدر».
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٢٨٤) من حديث أسامة بن زيد.
699

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي