والله سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدًا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة، وإذا أراد أن يعذِّبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة، وأبدله بهما الغلظة والقسوة.
وفي الحديث الثابت: «لا تُنزَع الرحمة إلا من شقي»٢.
وفيه: «من لا يرحم لا يُرحم»٣.
وفيه: «ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء»٤.
(١) أخرجه مسلم (٢٣١٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٤)، والإمام أحمد (٨٠٠١، ٩٧٠٢، ١٠٩٥١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٤)، وأبو يعلى (٦١٤١)، وابن حبان (٤٦٢، ٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٤٨) من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة. وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم. (قالمي)
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٧، ٦٠١٣) ومسلم (٢٣١٨، ٢٣١٩) عن أبي هريرة، وعن جابر بن عبد الله.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، والإمام أحمد (٦٤٩٤)، وابن المبارك في المسند (٢٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٥٥)، والحميدي (٥٩١)، والحاكم (٤/ ١٥٩) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو. وصحَّحه الترمذي والحاكم، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص ١٦). وفيه أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو، قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٦٣): «لا يعرف، تفرد عنه عمرو بن دينار». وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة (٨٨) بعد نقل تصحيح الترمذي والحاكم له: «وكان ذلك باعتبار ما له من المتابعات والشواهد وإلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى ابن دينار، ولم يوثقه سوى ابن حبان ــ يعني في ثقاته (٥/ ٥٨٨) ــ على قاعدته في توثيق من لم يجرح» اهـ. (قالمي)
وفيه: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقِسط متصدِّق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال»١.
والصدِّيقُ إنما فَضَلَ الأمَّةَ٢ بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادةً على الصدِّيقيَّة، ولهذا ظهر٣ أثرُها في جميع مقاماته، حتى في الأسارى يوم بدر، واستقرَّ الأمر على ما أشار به٤. وضرَب له النبي ﷺ مثلًا بعيسى وإبراهيم٥.
(١) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار المجاشعي.
(٢) (ط): «هذه الأمة».
(٣) في الأصل: «اظهر»، ولعله سهو. وكذا في (ق).
(٤) انظر حديث عمر في صحيح مسلم (١٧٦٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٣٦٣٢)، وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٣ ــ ٢٧٤) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى» الحديث. وفيه: «إنَّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[المائدة: ١١٨]». وأخرجه أبو يعلى (٥١٨٧)، والطبراني في الكبير (١٠٢٥٨، ١٠٢٥٩)، والحاكم (٣/ ٢١ - ٢٢) من طرق أخرى عن الأعمش به، بنحوه. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». كذا قال! وفيه نظر؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرسلة على الصحيح. ولما أخرج الترمذي (١٧١٤) الحديث من طريق أبي معاوية به، مقتصرًا على طرفه الأول، قال: «وهذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه». وإنما حسَّنه لما له من الشواهد التي أشار إليها بقوله: «وفي الباب عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة». ثم وجدت لبعضه شاهدًا من حديث ابن عباس ﵄. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٢٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧١)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣١٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢٥١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٤). وفيه سعيد بن عجلان ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٦٠) وقال: «يخطئ ويخالف». ورباح بن أبي معروف مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٤) على أن ابن عدي أورد له جملة أحاديث منها حديثه هذا ثم ختم ترجمته بقوله: «ولرباح أحاديث غير ما ذكرت وما أرى برواياته بأسًا ولم أجد له حديثًا منكرًا». وله شاهد آخر عن أمّ سلمة ﵂، أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٧١٥) ج (٢٣) وفي سنده ضعف. وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد يرتقي إلى الحسن والله أعلم. (قالمي).