الروح

طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدَّة حرصه عليه بمنزلة مَن أخَذَ١ الثمرة قبل أوان إدراكها. فالمبادرةُ وسطٌ بين خلُقين مذمومين: أحدهما التفريط والإضاعة، والثاني الاستعجال قبل الوقت.

ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خِفَّة وطيش وحدَّة في العبد تمنعه من التثبُّت والوقار والحلم، وتوجب له وضعَ الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور، وتمنعه أنواعًا من الخير. وهي قرينُ الندامة، فقلَّ مَن استعجل إلا ندم، كما أنَّ الكسل قرينُ الفوت والإضاعة.

فصل

والفرق بين الإخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتُهما: أنَّ الإخبار بالحال يقصد المخبِر به قصدًا صحيحًا من علمِ سببِ إزالته، أو الاعتذار لأخيه من أمرٍ طلبه منه، أو يحذِّره من الوقوع في مثل ما وقع فيه، فيكون ناصحًا بإخباره له، أو حمله على الصبر بالتأسِّي به. كما يُذكَر عن الأحنف أنه شكا إليه رجلٌ شكوى، فقال: يا ابن أخي، لقد ذهب ضوء عيني من كذا وكذا سنة، فما أعلمتُ به أحدًا٢. ففي ضمن هذا الإخبار مِن حمل الشاكي على التأسِّي والصبر ما يُثاب عليه المخبِرُ. وصورتُه صورةُ الشكوى. ولكنَّ القصد ميَّز بينهما.

  1. (١) ما عدا (أ، غ): «يأخذ».
  2. (٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه (١٢٩١). وانظر: صفة الصفوة (٣/ ١٩٩). وفي عدة الصابرين (٥٢٩): «شكا الأحنف إلى عمه ...». وكذا في إحياء العلوم (٤/ ١٣٣). والظاهر أنه مقلوب.
718

ولعلَّ من هذا قولَ النبي ﷺ لمَّا قالت عائشةُ: وارأساه! فقال: «بل أنا وارأساه!»١. أي: الوجعُ القويُّ بي أنا دونكِ، فتأسَّي بي، ولا تشتكي.

ويلوح لي فيه معنًى آخر، وهو أنها كانت حبيبة رسول الله ﷺ، بل كانت أحبَّ النساء إليه على الإطلاق، فلما شكت إليه رأسَها أخبرها أنَّ بمُحِبِّها من الألم مثلَ الذي بها. وهذا غاية الموافقة بين٢ المُحِبِّ ومحبوبِه. يتألَّم بتألُّمه، ويُسَرُّ بسروره، حتى إذا آلمه عضوٌ من أعضائه آلم المُحِبَّ ذلك العضوُ بعينه. وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة.

فالمعنى الأول يُفهِم أنكِ لا تشتكي واصبري، فبي من الوجع مثلُ ما بكِ، فتأسَّي بي في الصبر وعدم الشكوى.

والمعنى الثاني يُفهِم إعلامَها بصدق محبته لها، أي: انظري قوة محبتي لكِ، كيف واسيتُكِ في ألمكِ ووجعِ رأسكِ، فلم تكوني متوجعةً وأنا سليمٌ من الوجع، بل يؤلمني ما يؤلمكِ، كما يسرُّني ما يسرُّكِ؟ كما قيل:

وإنَّ أولَى البرايا أن تواسيَهعند السرور الذي واساك في الحزَنِ٣

وأما الشكوى، فالإخبار العاري عن القصد الصحيح، بل يكون مصدره

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٦٦٦) عن عائشة.
  2. (٢) هذا في (ج، ن، ز). وفي غيرها: «من»، وهي تقتضي أن يكون السياق: من المحب لمحبوبه.
  3. (٣) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه ضمن الطرائف الأدبية (١٧٧). وينسب إلى دعبل وأبي تمام. انظر تخريجه في ديوان دعبل (٤٦١ ــ ٤٦١)، والحماسة البصرية (٧٨٩).
719

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي