وكأنَّ هذا القائل رأى أن الشكوى إلى الله تنافي الصبر، وغلِط أقبحَ الغلط، فالمنافي للصبر شكواه، لا الشكوى إليه. فالله يبتلي عبدَه ليسمع تضرُّعه ودعاءه والشكوى إليه، ولا يحبُّ التجلُّدَ عليه. وأحَبُّ ما إليه انكسارُ قلبِ عبده بين يديه، وتذلُّلُه له، وإظهارُ ضعفِه وفاقتِه وعجزهِ وقلةِ صبره. فاحذر كلَّ الحذر من إظهار التجلُّدِ عليه، وعليك بالتضرُّعِ والتمسكن، وإبداء العجز والفاقة والذُّلِّ والضعف؛ فرحمتُه أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم.
فصل
وهذا بابٌ من الفروق يطول٢، ولعلَّ إن ساعد القدَرُ أن نُفرِد٣ فيه كتابًا كبيرًا، وإنما نبَّهنا بما ذكرنا على أصوله، واللبيبُ يكتفي ببعض ذلك.
والدِّينُ كله فَرقٌ، وكتابُ الله فُرقانٌ، «ومحمدٌ ﷺ فَرقٌ بين الناس»٤. ومن اتقى اللهَ جعل له فرقانًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال: ٢٩]. وسمَّى يومَ بدرٍ يومَ الفرقان٥ لأنه فرَق بين أولياء
(١) حكاه القشيري في الرسالة (١/ ٣٢٨) عن الأستاذ أبي علي الدقاق.
(٢) هذا في (غ، ن، ز). وفي غيرها: «مطوَّل».
(٣) (ط): «أجمع».
(٤) من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه البخاري (٧٢٨١). في نسخة أبي ذر: «فرَّق». وفي غيرها كما أثبتنا من (ن). ولم تضبط في النسخ الأخرى. والفرق هنا بمعنى الفارق، وصف بالمصدر. يعني: يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه. انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٩)، وفتح الباري (١٣/ ٢٥٦).
والضلال أصله الجمع، كما جمع المشركون بين عبادة الله وعبادة الأوثان، ومحبته ومحبة الأوثان، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدَّره وقضاه، فجعلوا الأمر واحدًا، واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه.
وجمعوا بين الربا والبيع، فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾[البقرة: ٢٧٥]. وجمعوا بين المُذكَّى والميتة فقالوا: كيف نأكل ما قَتَلْنا٢ ولا نأكل ما قتَلَ اللهُ.
وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأةُ خلقَها الله، وهذه خلَقَها؛ وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه، فكيف يُحَلُّ هذا ويُحرَّم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان٣!
وجاءت طائفة الاتحادية، فطَمُّوا الواديَ على القَري٤، وجمعوا الكلَّ
(٤) المثل: «جرى الوادي فطمَّ على القَريِّ». قال الميداني: «أي جرى سيل الوادي، فطمَّ، أي دفَن. يقال: طمَّ السيلُ الركيَّة، أي دفنها. والقريُّ: مجرى الماء في الروضة. و«على» من صلة المعنى. أي أتى على القريِّ، يعني أهلكه بأن دفنه. يضرب عند تجاوز الشرِّ حدَّه». مجمع الأمثال (١/ ٢٨٢). وقال أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (١/ ٣٢٢): «يضرب مثلًا للأمر العظيم يجيء فيعم الصغير والكبير». فيقال: طمَّ السيل كلَّ شيء، أي علاه، وطمَّ عليه، أي أتى عليه. ولا يقال: طممتُه على الشيء. ولكن كذا ورد المثل هنا: «فطَمُّوا الوادي على القري». ونحوه في إعلام الموقعين (٤/ ٢٥٠): «طردَتْ الباب، وطمَّتْ الواديَ على القريِّ». ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن المصنف ﵀ قرأ المثل في كلام شيخه في درء التعارض (٦/ ٢٢٢): «ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القريِّ» ــ وقد نقله في الصواعق المرسلة (٢/ ٤١٧) ــ فتوهم أن «الوادي» مفعول به، وفاعل «طمَّ» هو الضمير العائد على أبي حامد!