الروح

الله وأعدائه. فالهدى كله فرقان١.

والضلال أصله الجمع، كما جمع المشركون بين عبادة الله وعبادة الأوثان، ومحبته ومحبة الأوثان، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدَّره وقضاه، فجعلوا الأمر واحدًا، واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه.

وجمعوا بين الربا والبيع، فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وجمعوا بين المُذكَّى والميتة فقالوا: كيف نأكل ما قَتَلْنا٢ ولا نأكل ما قتَلَ اللهُ.

وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأةُ خلقَها الله، وهذه خلَقَها؛ وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه، فكيف يُحَلُّ هذا ويُحرَّم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان٣!

وجاءت طائفة الاتحادية، فطَمُّوا الواديَ على القَري٤، وجمعوا الكلَّ

  1. (١) وانظر: مدارج السالكين (١/ ١٦٢) وطريق الهجرتين (٢/ ٧١٠).
  2. (٢) (ق): «قتلناه».
  3. (٣) «وجمعوا ... الشيطان» ساقط من (ب، ج).
  4. (٤) المثل: «جرى الوادي فطمَّ على القَريِّ». قال الميداني: «أي جرى سيل الوادي، فطمَّ، أي دفَن. يقال: طمَّ السيلُ الركيَّة، أي دفنها. والقريُّ: مجرى الماء في الروضة. و«على» من صلة المعنى. أي أتى على القريِّ، يعني أهلكه بأن دفنه. يضرب عند تجاوز الشرِّ حدَّه». مجمع الأمثال (١/ ٢٨٢). وقال أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (١/ ٣٢٢): «يضرب مثلًا للأمر العظيم يجيء فيعم الصغير والكبير».
    فيقال: طمَّ السيل كلَّ شيء، أي علاه، وطمَّ عليه، أي أتى عليه. ولا يقال: طممتُه على الشيء. ولكن كذا ورد المثل هنا: «فطَمُّوا الوادي على القري». ونحوه في إعلام الموقعين (٤/ ٢٥٠): «طردَتْ الباب، وطمَّتْ الواديَ على القريِّ». ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن المصنف ﵀ قرأ المثل في كلام شيخه في درء التعارض (٦/ ٢٢٢): «ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القريِّ» ــ وقد نقله في الصواعق المرسلة (٢/ ٤١٧) ــ فتوهم أن «الوادي» مفعول به، وفاعل «طمَّ» هو الضمير العائد على أبي حامد!
724

في ذاتٍ واحدةٍ، وقالوا: هي الله الذي لا إله إلا هو. وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم: «واعلم أنَّ الأمر قرآن، لا فرقان»١.

ما الأمرُ إلا نسقٌ واحدما فيه من مدحٍ ولا ذمِّ
وإنَّما العادةُ قد خصَّصتْوالطبعُ والشارعُ بالحكمِ٢

والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان، فأعظم الناس فرقانًا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرةً. والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال، وإنما أُتي أكثرُ أهل العلم من المتشابهات في ذلك كلِّه. ولا يحصل الفرقان إلا بنورٍ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، يرى في ضوئه حقائق الأمور، ويمِّيز بين حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

ولا تستطِلْ هذا الفصل، فلعلَّه من أنفع فصول الكتاب، والحاجةُ إليه شديدةٌ، فإن رزقك الله فيه بصيرةً خرجتَ منه إلى فرقانٍ أعظم منه. وهو: الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد [١٧٣ ب] المعطِّلين، والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل، والفرق بين إثبات الصفات والعلوِّ والتكلم

  1. (١) فصوص الحكم (١/ ٧٠). [يكنون بالقرآن عن رؤية التفرقة بعين الجمع، وهي أكمل مقامات العارفين عندهم. انظر: «لطائف الإعلام» للقاشاني (٢/ ٥٦١، ٥٨١)]. قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين من التعليق ليس في المطبوع، وهو ثابت في الأصل الوارد من «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا.
  2. (٢) أنشدهما المصنف في طريق الهجرتين (٥٦٦) أيضًا. وقد نسبهما شيخ الإسلام في الفتاوى (٢/ ٩٩) إلى القاضي تلميذ صاحب الفصوص.
725

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي