ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة والإيمان. وأنَّى١ يكون المُعرِضون عن كتابه وهدي رسوله وسُنَّته المخالفون له إلى غيره أولياءَه، وقد ضربوا لمخالفته٢ جأشًا، وعدلوا عن هدي نبيه وطريقته؟ ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الأنفال: ٣٤]. فأولياء الرحمن: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم، الداعون إليه، المحاربون لمن خرج عنه. وأولياء الشيطان: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم قولًا وعملًا، يدعون إليه، ويحاربون من نهاهم عنه.
فإذا رأيت الرجل يحب السماعَ الشيطاني ومؤذنَ الشيطان وإخوانَ الشياطين، ويدعو إلى ما يحبه الشيطان من الشرك والبدع والفجور= علمتَ أنه من أوليائه. فإن اشتبه عليك، فاكشِفْه في ثلاثة مواطن: في صلاته،
(١) في الأصل وغيره: «وأن»، فزاد ناسخ (ز): «وحاشى الله أن». والصواب ما أثبتنا من النسخ المطبوعة.
(٢) في الأصل: «لمخالفيه».
ومحبته للسنة وأهلها وتقرُّبه منهم١، ودعوته إلى الله ورسوله وتجريدِ التوحيد والمتابعة وتحكيمِ السنَّة. فزِنْه بذلك، لا تزِنْه بحالٍ ولا كشفٍ ولا خارقٍ [١٧٧ أ]، ولو مشى على الماء وطار في الهواء!
فصل
وبهذا يُعلَم الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني. فإنَّ الحال الإيماني ثمرة المتابعة للرسول، والإخلاص في العمل، وتجريدِ٢ التوحيد. ونتيجتُه٣ منفعةُ المسلمين في دينهم ودنياهم. وهو إنما يصح بالاستقامة على السُّنَّة والوقوف مع الأمر والنهي.
والحال الشيطاني يسبِّبه٤ إما شرك أو فجور. وهو ينشأ من قرب الشياطين والاتصال بهم ومشابهتهم. وهذا الحال يكون لِعُبَّاد الأصنام والصُّلبان والنِّيران والشيطان. فإنَّ صاحبه لمَّا عبد الشيطان خلع عليه حالًا يصطاد به ضعفاءَ العقول والإيمان. ولا إله إلا الله، كم هلك بهؤلاء من الخلق ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾[الأنعام: ١٣٧]! فكلُّ حالٍ خرج صاحبُه عن حكم الكتاب وما جاء به الرسول، فهو
(١) في الأصل: «عنهم»، ومن ثم قرأ النسَّاخ والناشرون: «ونفرته عنهم». والصواب ما أثبتنا من (ط) وحدها.
(٢) (ق): «وتجريده».
(٣) (أ، ق): «ونتيجة». وفي (ط): «ونتيجة شفقته للمسلمين».
(٤) الكلمة في الأصل مهملة وأولها حرف اللام. وفي (ق) والنسخ المطبوعة: «نسبته». وفي (غ): «بسببه». وفي (ب): «سنته». وفي حاشية (ج) بخط متأخر: «سببه»، وهي ساقطة منها.