الروح

شيطاني، كائنًا ما كان.

وقد سمعتُ بأحوال السحرة وعُبَّاد النار وعُبَّاد الصليب وكثيرٍ ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرًا، وهو بريء منه في الباطن، له نصيبٌ من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن.

وقد يكون الرجل صادقًا، ولكن يكون ملبوسًا عليه بجهله١، فيكون حاله شيطانيًّا، مع زهدٍ وعبادةٍ وإخلاص، لكن لُبسَ عليه الأمرُ لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان.

وقد حكى هؤلاء وهؤلاء٢ مَن ليس منهم، بل هو متشبِّهٌ صاحب مِحال٣ ومخاريق. ووقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء، فحسبوا كلَّ سوداء تمرةً، وكل بيضاءَ شحمةً. والفرقان أعزُّ ما في هذا العالَم، وهو نورٌ يقذفه الله في القلب يفرِّق به بين الحق والباطل، ويزِنُ به حقائق الأمور، خيرَها وشرَّها، وصالحَها وفاسدَها، فمَن عدِمَ الفرقانَ وقع ولابدَّ في أشراك الشيطان، فالله المستعان وعليه التكلان.

فصل

والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتباع، والحكم المؤوَّل الذي غايته أن يكون جائز الاتباع: أنَّ الحكم المنزَّل: الذي٤ أنزله الله على رسوله

  1. (١) (ب، ط، ز): «لجهله».
  2. (٢) «وهؤلاء» ساقط من (ب).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «مخاييل»، تحريف. والمحال: المكر والحيلة.
  4. (٤) ما عدا الأصل: «هو الذي».
740

وحكم به بين عباده، وهو حكمه الذي لا حكم له سواه.

وأما الحكم المؤوَّل، فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق مَن خالفها، فإنَّ أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا، فمن شاء قَبِله، ومن شاء لم يقبله؛ ولم يُلزِموا به الأمة. بل قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءنا بخيرٍ منه قَبِلناه١. ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه.

وكذلك مالكٌ استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ، فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرَّق أصحاب رسول الله ﷺ في البلاد، وصار عند كلِّ قومٍ علمٌ غيرُ ما عند الآخرين٢.

وهذا الشافعيُّ ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه٣.

وهذا الإمام أحمد يُنكر على مَنْ كتب فتاويه ودوَّنها، ويقول: لا تُقلِّدني ولا تُقلِّد فلانًا ولا فلانًا، وخُذْ من حيث أخذوا٤.

  1. (١) ذكر المصنف في إعلام الموقعين (١/ ٧٥) أن أبا يوسف والحسن بن زياد كليهما رواه عن أبي حنيفة. وانظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١١).
  2. (٢) وكذا في إعلام الموقعين (٢/ ٣٨٢) ومجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩). والمشهور أن الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ وقال ذلك لمالك هو أبو جعفر المنصور. انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٧١ ــ ٧٣).
  3. (٣) انظر أول مختصر المزني، وقد نقل منه المصنف في إعلام الموقعين (٢/ ٢٠٠). وانظر: معرفة السنن للبيهقي (٢/ ٤٥٤).
  4. (٤) إعلام الموقعين (٢/ ٢٠١). وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٥).
741

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي