والخارج عن هؤلاء - وإن خفقت بنوده١، وكثرت جموعه، وسعى حتى ضُرب له الدرهم والدينار، وخُطب باسمه على رؤوس المنابر - لا تكون أموره إلَّا على المغالطة والمخالسة٢؛ لأنه كالخارج على الملك الذي دانت له الرعايا، ونفذ حكمه في البلاد. فالخارج٣ عليه لا يزال خائفًا مستوحشًا يتخشَّى٤ من أن يقابله الملك بقتالٍ أو يصافَّه٥ بحربٍ، لأن في نفس الخارجي بقية من انخناس٦ الباطل، والمَلِكُ - وإن قلَّت
(١) أي: أعلامه، جمع بَنْد، وهو العَلَم الكبير، فارسيٌّ مُعرَّب. «الصحاح» (٢/ ٤٥٠).
(٢) «ح»: «المجالسة» بالجيم، والمثبت من «درء التعارض». وهو الصواب، والمخالسة: استغفال الرقيب وانتهاز الفرصة للتغلب على الخصم.
(٣) «ح»: «فالخراج». والمثبت هو الصواب.
(٤) «ح»: «يتحش». والمثبت من «درء التعارض».
(٥) أي: يقابله، يقال: صفَّ الجيش يصفُّه صفًّا، وصافَّه فهو مُصافٌّ: إذا رتَّب صفوفه في مقابل صفوف العدو. «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٣٨).
(٦) «ح»: «الخناس». وفي «درء التعارض»: «انخساس». والانخناس: التأخر والتخلف، يريد الجبن وعدم الإقدام على القتال.
جموعه - فعنده صولة الحق، وهيبة المُلْك.
وكذلك الغريب المداوي للناس - بزعمه - مع الطبيب المقيم. هذا مجتازٌ يطلب من الأدوية ما يُسكِّن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الحادة١ العاملة بسرعةٍ، فيأخذ الخِلْعة٢ والعطية لسكون الألم وإزالة [ق ١٠٨ ب] المرض، ويُصبح على أرض أخرى ومنزلٍ بعيدٍ. فطبُّه مجازفة؛ لأنه يأمن المعاتبة والمواقفة٣، والأطباء المقيمون يُلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المركبة دون الحارة؛ لأن الحارة من الأدوية وإن عجلت سكون الآلام فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة العواقب؛ لأن ما يعطي الأدوية الحارة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهنت٤ قوى المحل الذي حلت به، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب يُنقيه ويُبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب.
فكذلك الفقهاء والمُحدِّثون يقصرون عن الاستقصاء في إزالة الشبهة لأنهم عن النقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويحففون٥، فهم حال الأجوبة ينظرون في العواقب، والمبتدعة والمتوهمة يهجمون، فعلومهم فرح ساعةٍ، ليس لها ثباتٌ.
(١) «ح» هنا وفي المواضع التالية: «الحارة». والمثبت من «درء التعارض».
(٢) الخِلْعة: ما يعطيه الإنسان غيره من الثياب منحة. «المصباح المنير» (١/ ١٧٨ (.
(٣) «ح»، «درء التعارض»: «الموافقة». ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) «ح»: «أوهشت». وفي «درء التعارض»: «أوهت». والمثبت بمعناه.
(٥) «ح»: «يحققون». وفي «درء التعارض»: «ويقللون». والمثبت بمعناه.