الصواعق المرسلة

فإن اشتبه على قومٍ ما دلَّسه١ جُهَّال الصوفية عليهم من الأخذ بقوله ﷺ: «فِي أُمَّتِي مُحَدَّثُونَ وَمُلْهَمُونَ، وَعُمَرُ مِنْهُمْ»٢. قيل: لو نطق عمر برأيه ما نطق، ولم يصدقه الوحيُ، لم يُلتفت إلى واقعاته وما يُحدِّث به، ولا يبتنى٣ الشرع والأحكام على فراسته. ألا ترى إلى قول من هو خيرٌ منه: «أي سماء تُظلُّني وأي أرض تُقلُّني إذا قلت في كتاب الله برأيي»٤؟

سبحان الله العظيم! يقول الصدِّيق هذا، وأُسَلِّم اليوم لشيخ رباطٍ يخلو بأمرد على شمعة، ويأكل من الحرام شَبْعَه. ويسمع الغناء في مجالس المردان من النساء الأجانب والصبيان. تهزه الأشعار الخماريات، وتثقل عليه الآيات البينات. يرقص على ذكر المليح والمليحة طلبًا ورغبًا، ويتواجد على المواصيل٥ والألحان طربًا، قد اتخذ دينه لهوًا ولعبًا. تقرب أولياء الله إليه بالقرآن، وتقرب هو باستماع المعازف والألحان. مفتون في نفسه، فاتن لأشباهه وبني جنسه. فإذا لُمتَ أحدهم قال: أنا خيرٌ أم الشيخ فلان!

وذاك - لعَمْرُ الله - من أولياء الشيطان، قد نصبه شبكة يصطاد به جهلة

  1. (١) «ح»: «دله». والمثبت من «درء التعارض».
  2. (٢) أخرج البخاري (٣٤٦٩) ومسلم (٢٣٩٨) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ».
  3. (٣) غير منقوطة في «ح»، والمثبت من «درء التعارض».
  4. (٤) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٧٥) وسعيد بن منصور في «التفسير» (٣٩) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٧٣١) وابن جرير في «التفسير» (١/ ٧٢) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٨٢) عن أبي بكر الصدِّيق ﵁. وإسناده منقطع، ينظر «علل الدارقطني» (٥٨).
  5. (٥) لعله يعني: الأغاني. وينظر «تكملة المعاجم العربية» (١٠/ ٧٦)
929

العوام، ويحتج به على أشباه الأنعام. فما أعظم على الناس فتنته! وما أشدَّ على الدِّين محنته!

يقول أتباعه المفتونون وحزبه المغرورون: نُسلِّم إلى الشيخ طريقته. وأيُّ طريقة مع الشرع؟ هل أبقت الشريعة لقائلٍ مقالًا، أو لمتصرفٍ بعدها مجالًا؟ وهل جاءت إلَّا بهدم العوائد ونقض الطرائق؟

ما على الشريعة أضرُّ من مبتدعة المتكلمين وجهلة المتصوفين. هؤلاء يُفسدون العقول بتوهمات وشُبهات تُشبه المعقول، وهؤلاء يُفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان١. يحبون البطالات، والاجتماعات على اللذات، وسماع الأصوات المشوِّشات للمعايش والطاعات. وأولئك٢ يُجرِّئون الشباب والأحداث على البحث وكثرة٣ السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمعارضات والمناقضات.

وما عرفنا للسلف الصالح أحوال أولئك البطالين أصحاب الشهوات، ولا أقوال٤ هؤلاء المتكلمين أرباب الشُّبهات، بل كانوا عبيد إيمانٍ وتسليمٍ، عن معرفةٍ تامةٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ، وجدٍّ وتشميرٍ في الطاعات.

فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحِّدين ألَّا يقرع أبكار٥ قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل

  1. (١) «ح»: «الأزمان». والمثبت من «درء التعارض».
  2. (٢) «ح»: «أولئك». والمثبت من «درء التعارض».
  3. (٣) «ح»: «والتنزه». والمثبت من «درء التعارض».
  4. (٤) في «درء التعارض».
  5. (٥) «ح»: «أبصار». والمثبت من «درء التعارض».
930

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي