الوجه الثاني والثمانون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم يكتفِ بكتابه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[العنكبوت: ٥١]. ومن المحال أن يكون الكتاب الذي يخالفه صريح العقل كافيًا، وإنما يكون كافيًا لمن قدَّمه على كل معقولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وحقيقةٍ وسياسةٍ، فهذا الكتاب في حقِّه كافٍ له، كما أنه إنما يكون رحمةً وذكرى له دون غيره. وأمَّا مَن أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكافٍ له، ولا هو في حقِّه هدًى ولا رحمةٌ، بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله. ويوضحه:
الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا - بزعمهم - طريقة العقل وعارضوه به وقدَّموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلهًا حتى جعلوا له أندادًا يعبدونهم كما يعبدون الله، بل أولئك لم يقدِّموا أندادهم على الله. فهؤلاء جعلوا لله ندًّا يطيعونه ويعظِّمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه، وهؤلاء جعلوا لكتابه ندًّا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدِّمونه على حُكم كتابه. بل الأمران متلازمان، فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به، فمتى١ جعل لكتابه ندًّا فقد جعل له ندًّا، لا يكون غير ذلك البتة. فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندًّا له إلَّا مشركًا بالله قد اتخذ من دون الله أندادًا. ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه،
(١) «ح»: «حتى». ولعل المثبت هو الصواب.
فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندًّا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًّا له.
وممَّا يُبيِّن تلازم التعطيل والشرك أن القلوب خُلقت متحركة طالبة للتألُّه والمحبة، فهي لا تسكن إلَّا لمحبوبٍ تطمئن إليه وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها. ولا قرار لها ولا طمأنينة ولا سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلَّا فاقةً وفقرًا وحاجةً وقلقًا واضطرابًا.
فطلب هذا المراد المطلوب كامنٌ مستقرٌّ فيها، وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ولم تشعر به. فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل وجوده شيءٌ والشعور به شيءٌ. وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ونعوت جلاله وجماله، فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه والفاقة والضرورة، وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ولا نعيم إلَّا بقُربه والأُنس به والتنعم بذكره، وأن منزلة ذلك من الروح منزلة الروح من البدن، فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه، بل القلب مضطرٌّ إليه، فقيرٌ إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه. إذ غاية ما يقدر بفوات الروح موت البدن، وقد يعقبه راحة العبد، وأمَّا إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب المحبوب ماتت [ق ١١٠ أ] موتًا يتضمن كل ألمٍ وهمٍّ وغمٍّ وحزنٍ وخوفٍ واضطرابٍ.
فلو أن ما يحصل للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة، ولكنه موت يتجرع صاحبه كأسات الآلام من الهموم والغموم