والثاني: خَلْقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعًا.
والمقصود أن كل موجودٍ فله قدرٌ، والعباد لا تقدر١ الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حقَّ قدره. ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلَّا في حقهم، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾[الأنعام: ٩٢] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة، من المشركين [ق ١١١ أ] واليهود وغيرهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[الأنعام: ٩٢] ولم يقل: وما قدروا الله قَدْرَه. فإن حقَّ قدره هو الحق الذي لقدره، فهو حقٌّ عليهم لقدره سبحانه، فجحدوا ذلك الحق وأنكروه، وما قاموا بذلك الحقِّ معرفةً ولا إقرارًا ولا عبوديةً، وذلك جحودٌ وإنكارٌ لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله، لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل، فشُبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك: إمَّا إنكار علمه تعالى، أو إنكار قدرته، أو إنكار كلامه. فمن أقرَّ بما أرسل به رسله، وأنه عالمٌ به، متكلمٌ بكتبه التي أنزلها عليهم، قادرٌ على الإرسال، لا يليق بحكمته تركه؛ فقد قدره حقَّ قدره من هذا الوجه، وإن٢ لم يقدره حقَّ قدره مطلقًا.
(١) «ح»: «يقدر». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «إن». والمثبت من «م».
وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ اُلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾[الزمر: ٥١] إلى قوله: ﴿بَلَى قَد جَّاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاَسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ﴾[الزمر: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾[الزمر: ٦٤] فكان هذا ردًّا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته، كما كان ذلك ردًّا على منكري كتبه ورسله، وهذان أصلَا الإسلام: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير١ العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد، أئمةِ هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي.
وقال تعالى في آية الحج: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ ٧١ مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٢ اِللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ اَلنَّاسِ﴾[الحج: ٧١ - ٧٣] فما قدره حقَّ قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابًا واحدًا، وإن سلبه الذباب شيئًا ممَّا عليه من خَلوقٍ وغيره لم يقدر على استنقاذه منه، ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده، فكيف يُعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها؟ ولمَّا كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له، قال كثيرٌ من المفسرين في معنى ذلك: ما عظَّموه حقَّ عظمته. وقال بعضهم: ما عرفوه حقَّ معرفته. وقال بعضهم: ما