الصواعق المرسلة

وهو سبحانه كثيرًا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين، كقوله: ﴿وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقوله: ﴿هُوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٠] وقوله: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ وَاَلشَّهَادَةِ اِلْكَبِيرُ اُلْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ١٠] يُثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته. فالعلو رفعته، والعظمة عظمة قدره ذاتًا ووصفًا. وعند الجهمية ليس له علوٌّ ولا عظمة إلَّا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره.

فصل

الوجه السابع والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائمًا يُدِلُّون بنفي١ التشبيه والتمثيل، ويجعلونه جُنَّةً لتعطيلهم ونفيهم، فجحدوا علوَّهُ على خَلقه ومباينتَه لهم، وتكلُّمَه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائرِ كتبه، وتكليمَه لموسى، واستواءَه على عرشه، ورؤيةَ المؤمنين [ق ١١١ ب] له بأبصارهم من فوقهم في الجنة، وسلامَه عليهم، وتجلِّيَه لهم ضاحكًا، وغيرَ ذلك ممَّا أخبر به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله، وتترَّسوا بنفي التشبيه، واتخذوه جُنَّةً يصدُّون٢ به القلوبَ عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته.

  1. (١) «ح»: «نفي». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «يصيدون». والمثبت هو الصواب.
947

وكل مَن نفى شيئًا ممَّا وصف به نفسه جعل نفيَ التشبيه له كالوقاية في الفعل، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن نفى ذاتَه وماهيته خشيةَ التشبيه، فقال: هو وجود محضٌ لا ماهيةَ له. ونفى آخرون وجوده بالكلية خشيةَ التشبيه، وقالوا: يلزمنا في الوجود ما لزم مثبتي الصِّفات والكلام والعلو في ذلك، فنحن نسدُّ الباب بالكلية.

ولا ريب أن المشبِّهة المحضة خيرٌ من هؤلاء، وأحسنُ قولًا في ربهم، وأحسنُ ثناءً عليه منهم.

والطائفة المعطِّلة بمنزلة مَن قدح في مُلك المَلِك وسلطانه، ونفى قدرته وعلمه وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك.

والطائفة الثانية بمنزلة مَن شبَّهه بملك غيرُه موصوف بأكمل الصِّفات وأحسنِ النعوت.

فينبغي أن تعلم في هذا قاعدةً نافعة جدًّا؛ وهي أن نفي الشِّبْهِ والمِثل والنَّظير ليس في نفسه صفة مدحٍ ولا كمالٍ، ولا يُحمد به المنفي عنه ذلك بمجرده، فإن العدم المحض - الذي هو أخسُّ المعلومات وأنقصها - يُنْفَى عنه الشبهُ والمثل والنظير، ولا يكون ذلك كمالًا ومدحًا إلَّا إذا تضمن كون مَن نُفي عنه ذلك قد اختصَّ من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باينَ بها غيره، وخرج بها عن أن يكون له نظيرٌ أو شبهٌ، فهو لتفرده بها عن غيره صحَّ أن يُنفى عنه الشبه والمثل والنظير والكفؤ. ولا١ يقال لمن لا سمع له، ولا بصر٢، ولا حياة، ولا علم، ولا كلام، ولا فعل: ليس له شبهٌ،

  1. (١) «ح»: «أفلا». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «لا يسمع ولا بصير». والمثبت من «م».
948

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي