وممَّا ينبغي أن يُعلم أن كل سلبٍ٣ ونفيٍ لا يتضمن إثباتًا فإن الله لا يُوصف به؛ لأنه عدمٌ محضٌ، ونفيٌ صرفٌ، لا يقتضي مدحًا ولا كمالًا ولا تعظيمًا. ولهذا كان تسبيحُه وتقديسه سبحانه متضمِّنًا لعظمته ومستلزِمًا لصفات كماله ونعوت جلاله، وإلَّا فالمدح بالعدم المحض كلا مدحٍ. والعدم في نفسه ليس بشيءٍ يُمدح به ويُحمد عليه، ولا يكسب القلب عِلمًا بالمذكور ولا محبةً وقصدًا له.
ولهذا كان عدم السِّنَة والنوم مدحًا وكمالًا في حقِّه سبحانه؛ لتضمنه٤
(١) البيت للمتنبي، وهو في «ديوانه» (ص ٥٧٦).
(٢) ينظر: «الزاهر في معاني كلمات الناس» لابن الأنباري (١/ ٢٣١) و«الصحاح» (١/ ٣٤٤).
(٣) «ح»: «شاب». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «المتضمنة». والمثبت من «م».
أو استلزامه كمالَ حياته وقيوميته.
ونفي اللُّغوب عنه كمالٌ؛ لاستلزامه كمالَ قدرته وقوته.
ونفي النسيان عنه كمالٌ، لتضمنه كمالَ عِلمه، وكذلك نفي عزوب شيءٍ عنه.
ونفي الصاحبة والولد كمالٌ؛ لتضمنه كمالَ غناه وتفرُّده بالربوبية، وأن من في السماوات والأرض عبيدٌ له.
وكذلك نفي الكفؤ والسَّمِيّ والمثل عنه كمالٌ؛ لأنه يستلزم ثبوتَ جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشاركٍ له فيها.
فالذين يصفونه بالسُّلُوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرُّسل، وعرَّفوه به إلى الخلق، وهو الوجه الذي يُحمد١ به ويُثنَى عليه ويُمجَّد وتُعرف به عظمتُه وجلاله. وإنما عرفوه٢ من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به، بعدم٣ اعتقادهم الحقَّ. واعتقادهم خلافَ الحقِّ، وحقيقة أمرهم أنهم٤ لم يثبتوا لله عظمةً إلَّا ما تخيلوه في نفوسهم من السُّلوب والنفي الذي لا عظمةَ فيه ولا مدح، فضلًا عن أن يكون كمالًا، بل ما أثبتوه مستلزمٌ لنفي ذاته رأسًا.
وأمَّا الصِّفَاتية٥، الذين يؤمنون ببعضٍ ويجحدون بعضًا، فإذا أثبتوا