ونفي اللُّغوب عنه كمالٌ؛ لاستلزامه كمالَ قدرته وقوته.
ونفي النسيان عنه كمالٌ، لتضمنه كمالَ عِلمه، وكذلك نفي عزوب شيءٍ عنه.
ونفي الصاحبة والولد كمالٌ؛ لتضمنه كمالَ غناه وتفرُّده بالربوبية، وأن من في السماوات والأرض عبيدٌ له.
وكذلك نفي الكفؤ والسَّمِيّ والمثل عنه كمالٌ؛ لأنه يستلزم ثبوتَ جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشاركٍ له فيها.
فالذين يصفونه بالسُّلُوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرُّسل، وعرَّفوه به إلى الخلق، وهو الوجه الذي يُحمد١ به ويُثنَى عليه ويُمجَّد وتُعرف به عظمتُه وجلاله. وإنما عرفوه٢ من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به، بعدم٣ اعتقادهم الحقَّ. واعتقادهم خلافَ الحقِّ، وحقيقة أمرهم أنهم٤ لم يثبتوا لله عظمةً إلَّا ما تخيلوه في نفوسهم من السُّلوب والنفي الذي لا عظمةَ فيه ولا مدح، فضلًا عن أن يكون كمالًا، بل ما أثبتوه مستلزمٌ لنفي ذاته رأسًا.
وأمَّا الصِّفَاتية٥، الذين يؤمنون ببعضٍ ويجحدون بعضًا، فإذا أثبتوا
(١) «ح»: «يحمده». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «عرفوا». والمثبت من «م».
(٣) «م»: «لعدم».
(٤) «ح»: «أنه». والمثبت من «م».
(٥) «ح»: «للصفاتية». والمثبت من «م».
عِلمًا وقدرة وإرادة وغيرها تضمن ذلك [ق ١١٢ أ] إثباتَ ذات تقوم بها هذه الصِّفات وتتميز بحقيقتها وماهيتها، سواء سمَّوه قدرًا أو لم يُسموه. فإن لم يثبتوا ذاتًا متميزةً بحقيقتها وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفاتٍ بلا ذات، كما أثبت إخوانهم ذاتًا بلا صفات، وأثبتوا أسماء بلا معانٍ ولا حقائقَ، وذلك كله مخالفةٌ لصريح المعقول، وهم يدَّعون أنهم أرباب عقليات! فلا بد من إثبات ذات محقَّقة لها الأسماء الحسنى التي لا تكون حسنى إلَّا إذا كانت دالةً على صفات كمال، وإلَّا فأسماء١ فارغة لا معنى لها، لا توصف بحُسنٍ فضلًا عن كونها أحسنَ من غيرها. يوضح ذلك:
الوجه الثامن والثمانون بعد المائة: أنه سبحانه فرَّقَ بين هذين الاسمين الدالين على علوِّه وعظمته في آخر آية الكرسي٢ وفي سورة الشورى٣ وفي سورة الرعد٤، وفي سورة سبأ في قوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اُلْحَقَّ وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾[سبأ: ٢٣].
ففي آية الكرسي ذَكَر الحياة التي هي أصلُ جميع الصِّفات، وذكَرَ معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها٥ عنه من النوم والسِّنة والعجز وغيرها. ثم ذَكَر كمال مُلكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في مُلكه، وأنه